الفلسطينيون يتحدون القتل بدم بارد ويرسمون حدود وطنهم

غصت مواقع التواصل الاجتماعي بصور فتيان وفتيات من فلسطين يبتسمون بالرغم من اقتيادهم للمعتقل من قبل جنود إسرائيليين.

ولم تفلح سياسة القتل بدم بارد في إحباط عزيمة شباب وشابات من مواصلة التظاهرات ضد الاحتلال ومخططاته لإكمال تهويد القدس والمسجد الأقصى.

ولم تثن سياسة التهديد والوعيد الفلسطينيين في الناصرة وحيفا والجليل والمثلث والنقب عن مواصلة دعم أشقائهم في الضفة والقدس، وحتى غزة المحاصرة من كل الجهات دعمدت تضامنها مع الأقصى بالدم وتوجه الشباب إلى الأسوار الحدودية الشائكة ليصنعوا أكثر من نقطة اشتباك عند حدود القطاع.

وفي صباح اليوم الإثنين أقدمت القوات الإسرائيلية على قتل شاب فلسطيني عند باب الأسباط في القدس المحتلة، ومنعت المقدسيين من الوصول إلى مكان الحادث الذي ادعت أنه تم بسبب محاولة الشاب طعن جندي إسرائيلي.

ومع عملية القتل الجديدة يزداد عدد الضحايا والجرحى الفلسطينيين، يتوزعون بين الضفة والقدس وغزة. فيما اعتقل المئات، منهم عشرات العرب في داخل الخط الأخضر. معظم الضحايا من الجانب الفلسطيني هم تحت العشرين عاما. ومع أن مقاطع فيديو مسربة توضح بما لا يدع مجالا للشك تعمد الجنود إطلاق النار من مسافة الصفر على شباب وشابات لم يشكلوا خطرا عليهم، إلا أن الشباب الفلسطيني يواصل بإصرار لا يخفت.

بنظرة أولى فإن معظم المشاركين في الحراك الذي عمَّ الضفة والقطاع وداخل الخط الأخضر ولد بعد توقيع اتفاقات أوسلو بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وكلهم لم يبصروا النور بعد عندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في عام 1987، وكان بعضهم يخطو خطواته الأولى مع انتفاضة الأقصى في سبتمبر/ أيلول من العام 2000. كل المشاركين هم أبناء أو أحفاد جيل فلسطيني قاوم الاحتلال بطريقته عبر الكفاح المسلح في الأردن ولبنان أو انتفاضات و تضحيات لم تنقطع ضد الاحتلال. وعبر عن رفضه سياسة التمييز والتضييق بحق أبناء البلد الأصليين في يوم الأرض في 30 مارس/ آذار 1976، أو انتفاضة أكتوبر 2000 لدعم الأقصى والتمسك بالهوية العربية الفلسطينية.

رسائل داخلية وخارجية

“الانتفاضة” الفلسطينية الحالية تحمل في طياتها رسائل عدة داخلية وخارجية. فالصراع لن يحسم من دون حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة والحصول على دولة عاصمتها القدس الشرقية قابلة للعيش مع جيرانها، بتواصل جغرافي بين الضفة وغزة، وإنهاء آخر وأطول احتلال بدأ في القرن العشرين. والكف عن سياسات التمييز العنصري بحق العرب في إسرائيل، ويثبت الحراك الداعم للقدس أن الشعب الفلسطيني مازال موحدا على الرغم من سنوات التشرد الطويلة، وأن أي تسوية يجب أن تضمن إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الذين أثبتوا أصالة انتمائهم الفلسطيني عبر تظاهرات وتجمعات امتدت من اليرموك المحاصر ووصلت إلى بلدان الشتات القصري في أوروبا والمنافي البعيدة.

ومن الرسائل المهمة للحراك أن على قيادات التنظيمات الفلسطينية العمل على إنهاء الانقسام السياسي بين الضفة وغزة، لأن الشعب أثبت أنه مازال موحدا في وجه الاحتلال، وأن الحاجة باتت ماسة لبرنامج سياسي فلسطيني واضح للتحرك من أجل بلوغ الأهداف الوطنية أو التراجع عن اتفاقات لم تلتزم بها إسرائيل ولم تنفذها وإنما استغلتها لزيادة الاستيطان وتهويد القدس وعزلها عن محيطها العربي وسن قوانين عنصرية. ويبعث الحراك برسائل إلى المجتمع الدولي لحثه على الضغط على تل أبيب، وكسر تعنت حكوماتها التي لم تظهر جديتها في عملية التسوية المتواصلة منذ مؤتمر مدريد 1991، وتنهج سياسة التملص من أي استحقاق الدخول في مفاوضات لا تنتهي ولا طائل منها. وربما لا تجد إسرائيل شريكا لها في عملية السلام في حال نفذت السلطة وعيدها بحل نفسها، وعودة الأمور إلى ما كانت عليه عشية انطلاق مسيرة السلام.

ولعل الرسالة الأهم من “الانتفاضة” الحالية هي أن الحق لا يمكن أن يسقط بالتقادم، وموت الأجيال التي عايشت النكبة، وأن الشعب الفلسطيني يستحق مكانه اللائق تحت الشمس كسواه من الشعوب، ويرسم بالدم ونظرات التحدي حدود وطن كبير من دون أسوار وأسلاك شائكة وكنتونات تمزقه، ويكفي الانتباه إلى المشاركة الواسعة للفتيات، والفتيان جنبا إلى جنب في وجه الجنود الإسرائيليين، والنظر إلى وجوه الشباب لنرى أن تحدي الاحتلال لن ينتهي إلا بزواله، وأن قضية فلسطين تفرض مركزيتها بتضحيات أبنائها ووحدتهم في جميع أماكن تواجدهم رغم الجغرافيا.

لا تعليقات