معارك الاستنزاف … الهجوم الكبير يوم الخميس – هدير المقاتلات

يعتبر  يوم الخميس الموافق 11 سبتمبر 1969 من أجمل الايام في تاريخ حرب الاستنزاف حيث  سطرت القوات الجوية المصرية واحدة من اروع عملياتها التي تستحق ان تخلد في سجلات التاريخ العسكري.

بداء الامر بقرار  من القيادة المصرية علي بتوجية ضربة مؤلمة للعدو الصهيوني فقامت القوات الجوية بالتخطيط للقيام بعملية كبيرة تستعيد بها القوات الجوية جزء من الثقة التي فقدتها بعد النكسة و لتثبت انها قادرة علي ايلام العدو.

فكانت الخطة ان تقوم القوات الجوية  المصرية بالهجوم علي عدد من النقاط الحيوية و الاستراتيجية في عمق سيناء الغالية و تحديدا في القطاعين الاوسط و الشمالي بتوقيت متزامن و علي عدة طلعات متتابعة.

و قد تم اختيار الأهداف المعادية التي سيتم قصفها و تدميرها بعناية فائقة من قبل القيادة بحيث يكون لقصف و تدمير هذه الأهداف العسكرية أثره البالغ على العدو الإسرائيلي المحتل لسيناء.

وقررت القيادة الدفع بتشكيلات تضمنت (سوخوي 7) و (ميج 17) و في حماية مباشره لمقاتلات (ميج 21) علي 3 موجات متتالية و قد بلغ عدد الطائرات المشاركة في هذه العملية حوالي 60 مقاتلة.

ميج-17
ميج-17
ميج 21
ميج 21
سوخوي 7
سوخوي 7

و في العاشرة من صباح يوم التنفيذ انطلقت الموجة الاولي مستهدفتا في الأساس سرية رادار و مركز قيادة العدو في المنطقة الشمالية و كتيبتي دفاع جوي صاروخي من طراز (هوك), و قد نجحت هذه التشكيلات الجوية في مهامها بشكل رائع.

تبع الموجة الاولي انطلاق موجة الهجوم الجوي الثانية في الساعة الواحدة و النصف ظهرا و اعتمدت هذه الموجة علي المقاتلات القاذفة المصرية و بأعداد كبيرة أيضا لاستثمار نجاح الهجوم الجوي الأول صباحا حيث استهدفت الموجة الثانية من الطائرات مواقع العدو في منطقة رأس مسله فتم قصف الميناء البحري المعادي و موقع مدفعية للعدو هناك.

و تبع هذه الموجة موجة الهجوم الجوي الثالثة في تمام الثانية ظهرا بالمقاتلات معتمتدا علي المقاتلات القاذفة المصرية و بأعداد لا تقل عن الموجتين السابقتين و كانت الطائرات المصرية في الموجة الثالثة تتمتع بحرية عمل و حركة كبيرة في هذه المنطقة من سماء سيناء, نظرا لتدمير سرية الرادار و مواقع الدفاع الجوي الصاروخية المعادية في موجة الهجوم الجوي الأولى صباحا في القطاعين الشمالي و الأوسط.

و قامت طائرات الموجة الثالثة بالهجوم على مركز قيادة للعدو و مناطق دعم و شؤون إدارية و محطة لاسلكي و بعض مواقع المدفعية الاسرائيلية المضادة للطائرات.

و بالطبع لم يمر هذا اليوم التاريخي بدون معارك جويه مع الميراج الاسرائيلي فقد كان لزاما ان نرى مقاتلات الميراج المعادي طوال اليوم تحاول منع طائراتنا من اتمام مهامها.

ميراج اسرائيلي
ميراج اسرائيلي

5 اشتباكات جوية من اعنف المعارك خلال  حرب الاستنزاف

تضمن هذا اليوم خمس اشتباكات جوية طاحنه بين المقاتلات المصرية و الإسرائيلية, و لأن الضربة كانت موجعة جدا فقد ردت إسرائيل بعنف و قوة كعادتها طبعا, و ظلت الاشتباكات الجوية مع القواعد الجوية المصرية مستمرة حتى الساعة الثامنة مساء هذا اليوم.

و قد كانت قاعدتي أنشاص و المنصوره بطياريها الكواسر كالعادة في المقدمه و في ذلك التوقيت كان اللواء الجوي 104 بالمنصوره و اللواء 102 في أنشاص حائط الدفاع الجوي لصد الهجمات الاسرائيلية.

استشهد في هذا اليوم اثنين من طياري المقاتلات القاذفة فوق المواقع الإسرائيلية داخل سيناء بينما قفز سبعة من طياري المقاتلات (الميج 21) بالمظلات نتيجة الاشتباكات الجوية المستمرة مع المقاتلات الإسرائيلية.

و نجح الملازم أول طيار/ مصطفى جامع في إسقاط طائرة ميراج معادية فوق مدينة السنبلاوين, كما نجح زميله الطيار/ محمد رضا صقر في إسقاط طائرة ميراج أخرى, و تم أسر الطيار الإسرائيلي الذي قفز بالمظلة و حمل للمستشفى بعد أن كاد الفلاحين المصريين يفتكون به.

وقد تم الاشتباك الجوي الأول مع موجة الهجوم الجوي الأولى حيث حاولت الطائرات المعادية اعتراض المقاتلات القاذفة المصرية فوق سيناء, فتصدت لها طائرات الحراسة المباشرة من طراز (الميج 21) و نتج عن هذا الاشتباك اسقط طائرة ميراج صهيونية بصاروخ جو جو من الميج-21 المصرية فوق سيناء.

و كان الاشتباك الجوي الثاني مع طائرات العدو الإسرائيلي بعد ظهر اليوم و نتج عنة أسقاط طائرة معادية اخري فوق بحيرة البردويل, و قد أسقطها الطيار المقاتل مدحت زكي بطائرته (الميج 21) و كان معه في هذا الاشتباك الطيار المقاتل حسين عصمت من مطار أنشاص.

هذا و قد تمكن الطيار/ مدحت زكي من القفز من مقاتلة ميج-21 بعد ان تم اصابتها  بصاروخ من طائرة ميراج إسرائيلية كانت خلفه.

تبع الاشتباك الثاني باخر ثالث فوق خليج السويس نتج عنه انسحاب الطائرات المعادية بدون تحقيق أي نتائج.

و اندلع الاشتباك الرابع عقب عملية القصف الجوي لميناء رأس مسله في موجة الهجوم الثانية حيث انطلقت المقاتلات الصهيونية تحاول اللحاق بالقاذفات المقاتلة المصرية.

اما الاشتباك الخامس فقد تم في الساعة الخامسة بعد ظهر هذا اليوم المجيد, عندما حاولت الطائرات الإسرائيلية مهاجمة مواقع مصرية في منطقة بور سعيد فتصدت لها المقاتلات المصرية و دارت معركة جوية قصيرة الزمن اصيبت طائرة الطيار/ نبيل العباسي من نسور أنشاص بعد اصابة طائرته دفعتة للقفز منها , و انسحبت الطائرات الإسرائيلية من المنطقة.

قاعدة انشاص تشارك في المعركة بشراسة

 يروي الطيار المقاتل/ محمد رضا تفاصيل ما حدث له خلال معارك يوم الخميس الموافق 11 سبتمبر عام 1969.

لقد كان يطير في اخر اليوم في مظلة جويه غرب قناة السويس و كان برفقته الطيار المقاتل نبيل العباسي عندما دخلت طائرات الميراج الاسرائيلية للاشتباك معهما, و كان عدد طائرات الميراج المعادية كبيرا جدا, و يريدون مواجهة طائرتين مصريتين فقط من طراز (ميج 21) و قد قارب وقودهما على النفاد, و كان موقفا حرجا جدا و لا يستطيع الطيار المصري الاشتباك مع هذا العدد الكبير للطائرات المعادية.

لذلك قررا الانسحاب الي مطار أنشاص, لكن طائرات الميراج الاسرائيلية ظلت تطاردهما بإصرار كبير, حتى اقتربت الطائرتين المصريتين من مطار أنشاص, و اصيبت طائرة نبيل العباسي و قفز منها و ظل الطيار محمد رضا في مناورات قوية مع طائرة الميراج المعادية حتى مطار أنشاص, و بعد عدة مناورات جوية حاده انسحب الطيار الاسرائيلي من فوق المطار, و استطاع الطيار المصري محمد النزول سالما بطائرته المقاتلة في المطار مع اخر قطرة وقود لديه.

قاعدة المنصورة ايضا تسطر اعمالا بطولية

من المنصوره انطلق الطيار رضا صقر و زملائه في حوالي الساعة الرابعة ظهرا للإقلاع بالمقاتلة من طراز (ميج 21), حيث كان في حالة الاستعداد الثالثة بمطار المنصوره ذلك اليوم كما كان لهذا الطيار الصقر طلعة أخرى في نفس اليوم داخل سيناء لحماية المقاتلات القاذفة أثناء عملها في قصف مواقع العدو بسيناء.

اقلع الطيار محمد رضا صقر علي المقاتلة الثانية ضمن تشكيل رباعي بقيادة  الطيار مجدي كمال و رقم ثلاثه عماد عبد الشفيع و رقم أربعه في التشكيل مصطفى جامع, و تم توجيه تشكيل نسورنا للاشتباك مع تشكيل صهيوني من أربع طائرات ميراج.

و التقي التشكيلان فوق مدينة السنبلاوين و بدات عملية صيد الميراج في سماء الدلتا حيث انقسم التشكيل المصري  الرباعي الي تشكيلين ثنائيين حيث اندفع قائد التشكيل مجدي كمال و رضا صقر خلف طائرتي ميراج, بينما اندفع  الطيار عماد و الطيار مصطفى خلف الطائرتين المتبقيتين.

و مع احتدام الاشتباك تمكنت طائرة ميراج من التواجد خلف مقاتلة قائد التشكيل مجدي كمال محاولتلا إسقاطه فقام الطيار محمد رضا صقر بالانقضاض عليها من الخلف و أطلق عليها صاروخا واحدا محكما فأصابها إصابه مباشرة و صدر منها دخان اسود كثيف.

و اثناء متابعة الطيار رضا صقر للطائرة الميراج التي اصابها حتى يتأكد من سقوطها أو يطلق عليها الصاروخ الثاني  استغل الطيار الاسرائيلي الثاني حالة التتبع هذه فاطلق صاروخا اصاب مقاتلة الطيار/ رضا صقر ما دفعة للقفز من الطائرة مباشرة بعد تأكده من عدم قدرته على التحكم فيها.

أثناء رحلة هبوطه بالمظلة للأرض شاهد مظلة لونها برتقالي تسبقه في الهبوط للأرض, هبط الطيار محمد رضا صقر في احد الحقول و أصيب ببعض الاصابات الشديدة بينما سقط طيار الميراج الإسرائيلي (جيورا روم) على مسافة بضع كيلومترات من موقع هبوطه و كان ايضا مصابات بإصابات كثيره.

و في هذه الاسناء كانت القواعد الجوية المصرية تعمل كلها كخلية النحل بتناغم و نشاط متواصل بلا انقطاع خلال هذه المعركة التي تعتبر من اكثر معارك الاستنزاف شراسة و اكبرها حجما.

إنها مدرسة القتال الجوي المصرية تثبت للعالم وجودها و حضورها في سماوات المعارك عبر تخطيط و تنفيذ و إدارة المعارك و الهجمات الجوية بمنتها الاتقان و الروعة و عزفت أنغام صوت المقاتلات المصرية فوق قناة السويس واحدة من اجمل السنفونيات العسكرية.

 لقد قصفنا عدونا بني صهيون بكل العنف و القسوة و المهارة, لقد كان هذا اليوم الخميس المبارك يوما مزدحما بالأحداث العظيمة للقوات الجوية المصرية, كما كان هذا اليوم يوما أسودا على إسرائيل.

تعليق واحد

Comments are closed.