استراتيجيّة الصراع على القطب الشماليّ

المقدّمة
تتسابق البشريّة منذ فجر التاريخ الإنسانيّ إلى اكتشاف آفاق جديدة تسمح له بالتطوّر والتفوّق على الآخرين، أمّا القاسم المشترك بين هذه الاكتشافات أنّه في كلّ مرّة أعقبها المزيد من الصراعات. إحدى الظواهر الجديدة في العالم هي ذوبان الثلوج في القطب الشماليّ جرّاء الاحتباس الحراريّ في الكرة الأرضيّة، الذي ما زال العلماء حتّى يومنا هذا، لم يحسموا أمرهم حول أسبابه الحقيقيّة وكيفيّة أو ضرورة التصدّي له أم لا.
نتيجة ذلك فَقَد المحيط المتجمّد الشماليّ أكثر من نصف مساحته المغطّاة بالجليد في العقود الثلاثة الماضية، وثلاثة أرباع حجمه تراجع بسرعة، وتحوّلت فيه الممرّات طريقًا أكثر قابليّة للاستمرار. أمّا من ناحية الثروات النفطيّة فأصبح من السهل استخراجه، ويمكنُ القول إنّ حجم الاحتياطيّات في قلب الجليد القطبيّ غير رسميّة، لكنّ تقريرًا صدر عن دائرة المسح الجيولوجيّ الأميركيّة في العام 2000، رجّح أنّ القطب الشماليّ يحوي 25 % من الاحتياطيات العالمية غير المكتشفة من النفط.
كان القطب الشماليّ منطقة شبه منسيّة لا حياة فيها ولا يزورها إلّا الباحثون، مجرّد حدود جليديّة لدولة، إلّا أنّ تنافسًا دوليًّا حول المنطقة بدأ يتصاعد بين القوى الكبرى منذ مطلع الألفيّة الثالثة على ضوء ما بدأ يمثّل من أهميّة في ظلّ المتغيّرات المستجدّة فيه. هذا وتخوضُ الدول العظمى تنافسًا محمومًا في كنفِ التطوّرات المتعلّقة بزيادة الطلب على الطاقة والسيطرة على المناطق الاستراتيجيّة، للسيطرة على المناطق الغنية بهذه الميّزات. وبعد أن أشعلت الشرق الأوسط ودقّت طبول الحروب الأهليّة في أكثر من مكان، تتّجه بوصلة الصراعات الدوليّة على مصادر الطاقة نحو إشعال القطب الشماليّ.
إحتمالات حصول هذا الصراع شبه حتميّة، والميّزات الاستراتيجيّة والخصائص الاقتصاديّة لمنطقة القطب الشماليّ تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ تلك القائمة في الشرق الأوسط، الذي طالما كان فريدًا في موقعه وميّزاته وأهميّته. هل ستتبدل إستراتيجية الدول العظمى، وفي طليعتها الولايات المتحدة وروسيا في منطقة الشرق الأوسط الغارقة في أتون الصراعات والتوترات في سياق صراعٍ جديدٍ محتملٍ بين القطبين في منطقة القطب الشماليّ؟
مع بدء بروز أهميّة هذه المنطقة، تسعى الدول العظمى والدول المعنية للتسابق عليها، خصوصًا أنّها لم تحدّد كيفيّة استخدام هذه المساحة الشاسعة من الأرض والمياه وما تكتنزها، وتحديد حقوقها من الثروات من دون مشاكل، ولم تحدَّد سبل للتعاون في ما بين البلدان المتنافسة على ثروات القطب الشماليّ. يشتمل هذا التسابق على عدّة أصعدة منها القانوني، السياسي، الاقتصادي، العسكري وغيرها. وعلى ضوء هذه الوقائع والتطورات، كيف يبدو الصراع في المنطقة، وما هي أبعاده ونتائجه؟

القسم الأوّل: ماهيّة الصراع على القطب الشماليّ
١-وصف القطب الشماليّ وخصائصه
القطب الشماليّ هو أعلى نقطة على الكرة الأرضيّة، على محور دورانها ويقع في المحيط المتجمّد الشماليّ. تستقبل منطقة القطب الشماليّ أقلّ ما يمكن من أشعّة الشمس، فهي تأتي في المرتبة الثانية من بين المناطق الأكثر برودة في الكرة الأرضية، تغطّيها طبقة سميكة من الثلج على مدار السنة. قرب هذه المنطقة يقع القطب المغناطيسي الشماليّ للكرة الأرضيّة حيث تتّجه إبرة البوصلة إلى هذه المنطقة والاتجاه. بحكم موقعه القطب الشمالي يتمتّع بخصائص تميّزه عن باقي الكرة الأرضيّة، وقد زادت أهميّته مؤخرًا بسبب التغيّرات المناخيّة والبيئيّة.
هناك نجمٌ يدلّ إلى الشمال يُعرف بالنجم القطبي يَسترشدُ به البحّارة والمسافرون على اتجاه الشمال. تشرق الشمس وتغرب مرّة واحدة فقط في السنة هناك، وبالتالي فإنّ جميع خطوط الطول والمناطق الزمنيّة تتجه إلى نقطة واحدة، لذا لا وجود دائم للإنسان في القطب الشماليّ ولم يتمّ تحديد أيّ منطقة زمنيّة معيّنة له، وبالتالي يمكن للبعثات الاستكشافية القطبيّة استخدام أيّ منطقة زمنيّة تكون مناسبة لهم مثل توقيت غرينتش (GMT)، أو المنطقة الزمنيّة للبلاد التي غادروا منها. القطب الشماليّ أكثر دفئًا من القطب الجنوبيّ، لأنّه يقع في مستوى نفسه من سطح البحر، وأعلى درجة حرارة سُجّلت هناك حتّى الآن هي 5 درجات مئوية، وهي أعلى بكثير ممّا سجّل في القطب الجنوبيّ. في القطب الشماليّ تكونُ الشمس باستمرار فوق الأفق خلال أشهر الصيف، وتحت الأفق خلال أشهر الشتاء. ومع محاولات أكبر شركات النفط العالميّة كشف ما في باطنه، إلّا أنّها أخفقت حتى أتت التغييرات الحديثة مؤخرًا.
إنّه ذوبان الثلوج في القطب الشماليّ من جرّاء انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن عدّة أسباب، ومنها احتراق الوقود الأحفوري، الذي ذوّب الجليد لتقلّصه إلى أدنى مستوى له منذ قبل ظهور الحضارة الإنسانية. إنّ قمم جليد البحر القطبي الشماليّ قد انخفضت إلى أدنى مستوى، وإنّ مساحته وسماكته بلغتا أدنى مستوياتها مقارنةً بأيّ وقت مضى.
أصبح أكثر من 2.5 مليون كيلومتر مربع من المحيط المتجمد الشماليّ مفتوحًا ومعرّضًا لحرارة الشمس في الصيف طوال 24 ساعة يوميًا. وعندما ننظر جيّدًا إلى صور تناقص الجليد بالقطب الشماليّ، ندرك أنّ ذوبان الجليد هو مسألة سنواتٍ قليلة فقط.[1]
إنّ تغيّر المناخ، هو جزءٌ من السبب الذي جعل القطب الشماليّ يصبح الآن جبهة متجدّدة للمنافسة الدولية، فالمناخ هو المسؤول عن اضطراب النظم الإيكولوجيّة، ومع تزايد الحرارة يذوب الجليد، وتُفتح قنوات وممرّات مائيّة جديدة خالية من الجليد تفيد قطاع الشحن والصيد التجاري، واستكشاف النفط والغاز. وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أنّ 13% من النفط المتبقي على الأرض، و30% من الغاز الطبيعي، و20% من الغاز الطبيعي المسال مازالت مخزّنة داخل قاع البحر في القطب الشماليّ.[2]
تضمّ المنطقة أطراف أوروبا وآسيا وأميركا الشماليّة، وتقريبًا المحيط المتجمد الشماليّ كلّه، باستثناء الجزر الساحليّة النروجيّة، والقسمين من المحيطين الأطلسي والهادئ، القريبين من المنطقة، تبلغ مساحتها 27 مليون كيلومتر مربع. تعاظم الإهتمام بهذه المنطقة خلال العقد الماضي، وأعاد أحد أوجه صراعات الحرب الباردة إلى الساحة.
“من يملك القطب الشماليّ، يتحكّم في مصير العالم”. مقولةٌ أصبحت تتردّد في أوساط المفكّرين السياسيين والاستراتيجيين نظرًا لما يحدث من متغيّرات في تلك المنطقة، لأنّ التنافس على الموارد وزيادة القدرات العسكريّة فيها جعلا القطب الشماليّ منطقة صراع في المستقبل.

٢- الدول المعنيّة في الصراع
– بدايةً، الدول التي لها سواحل تمتدّ على المحيط المتجمّد الشماليّ، وهي روسيا، الولايات المتّحدة الأميركيّة، كندا، الدانمارك والنروج.
– الدول المتداخلة مع المنطقة: فنلندا، السويد وإيسلندا.
– الدول المتقدمة صناعيًا واقتصاديًا: كالصين واليابان وكوريا الجنوبية ودول أوروبا الغربية والتي لها مصالح حيويّة في هذه المنطقة.
يرعى العلاقة بين البلدان الخمسة المشاطئة، قانونُ البحار المتمثّل باتفاقيّة حقوق الملكيّة في الجرف القاري، الصادرة عن الأمم المتّحدة العام 1982، ودخلت حيّز التنفيذ العام 1994، بعد أن صادق عليها 150 بلدًا من بينها روسيا والنروج فقط، من البلدان المذكورة أعلاه، وقد حدّدت الاتفاقيّة العام 2013 آخر تاريخ للمصادقة. الجدير ذكره أنّ الولايات المتّحدة ما زالت تنتظر مصادقة الكونغرس عليها، أمّا كندا فتقدّمت بطلب أوليّ إلى اللجنة الخاصة، بانتظار استكمال المستندات المطلوبة.[3]
وتفيد المعاهدات الدوليّة بأنّ لا أحد يملك القطب الشماليّ. حسب قرارات الأمم المتّحدة كقانون البحار المذكور سابقًا، تمتدّ الحدود الدولية البحرية لمسافة 200 ميل بحري، وتأخذ لجنة الأمم المتّحدة المختصة بترسيم الحدود الدولية على عاتقها تفسير هذه المساحة وترسيمها. أمّا في ما يمتدّ بعد خط المئتي ميل بحري، فقد أثارت مسألة الحدود نزاعات دوليّة حادة وهي آيلة إلى التصعيد ما بعد هذه المرحلة.
قام كلٌّ من روسيا وكندا والولايات المتّحدة والدانمارك والنروج بمدّ حدودهم شمالًا للمطالبة ببعض الأراضي من حولها، وتحرص هذه الدول على السيطرة بقدر ما في وسعها على هذه المنطقة المتجمّدة. فمثلًا تعتبر كندا الممرّ الشماليّ الغربي، وهو المسار الذي يربط المحيط الأطلسي بالمحيط الهادئ من خلال الأرخبيل الشماليّ، جزءًا من المياه الكندية الوطنية الخاضع لولايتها، وينازعها في هذا الأمر عدد من البلدان بما فيها الولايات المتّحدة، التي اختارت أن تتجاهل الأمر في السنوات القليلة الماضية.
في العام 1996، وقّعت 8 دول على إعلان أوتاوا، حيث أصبح القطب الشماليّ يدار من خلال مجلس يضمّ خمس دول لها سواحل على المحيط القطبي: كندا، الولايات المتّحدة الأميركية، روسيا، الدانمارك والنروج، بالإضافة إلى ثلاث دول أخرى هي فنلندا، السويد، إيسلندا. كما يضمّ المجلس 12 دولة تحمل صفة مراقب، ومجموعات من السكان الأصليين تحت اسم “المشاركون الدائمون”. يُعدّ المجلس منتدى للتعاون في القضايا الإقليمية الخاصة بالتنمية وحماية البيئة، ويقع مقرّ الأمانة العامة التابع له في النروج، وتتجدّد رئاسته دوريًا كل عامين.[4]

أ- الموقف الكندي السياسي والعسكري
تصاعدت حدّة التدخلات العسكريّة في منطقة القطب الشماليّ منذ العام 2007، حين رفعت روسيا علمها في إحدى مناطق الدائرة القطبية، لتشعل جدلًا حول نطاق سيادة كل بلد من البلدان المطلّة على البحر، ولتبدأ كلٌّ منها في تعزيز قوّتها البحريّة في تلك المنطقة، ولا سيّما على صعيد القطع البحرية التي تمتلك إمكانيّة إزاحة الثلوج.
تدفع كندا منذ العام 2002 بأحقيّتها في السيادة على القطب الشماليّ، وقدّمت في كانون الأوّل2013 طلبًا للجنة الأمم المتّحدة المختصّة بترسيم الحدود الدوليّة للنظر في القضيّة. يشمل الطلب الكندي ضمَ منطقةٍ بمساحة 1.2 مليون كيلومتر مربع تتضمن منطقة القطب الشماليّ، كما قدّمت روسيا طلبًا مماثلًا بضمّ القطب إلى أراضيها.[5]
قال رئيس وزراء كندا السابق “ستيفن هاربر Stephen Harper” عقب اندلاع النزاع:”أمام كندا العديد من الخيارات عندما يتعلّق الأمر بدفاعها عن حقوقها السياديّة على القارة القطبيّة الشماليّة”. وعمدت كندا إلى محاولة إقرار نوع من الأمر الواقع، عندما قام “هاربر” في العام 2007، بزيارة إلى المنطقة امتدّت لثلاثة أيّام، ردًّا على ما اعتبره استفزازًا روسيًا لسفينة ترفع العلم الروسي فوق جليد النقطة المركزيّة للقطب. وأعلن وقتها عن خطط لإنفاق حولى 3.8 مليار دولار لبناء ثماني سفن حربيّة كاسحة للجليد، يمكنها اختراق معظم الصفائح الجليدية التي تغطّي تلك المناطق النائية للدفاع عن سيادة كندا عليها. وبدأت الحكومة الكندية منذ ذلك الوقت بدراسة أفضل الأماكن لإقامة أوّل ميناء بحري تجاري هناك، وقد يقع الإختيار على جزيرة “هانز Hans” بسبب موقعها على الممرّ الشماليّ الغربي للقطب.[6]
كما أشارت أيضًا وسائل إعلام كندية عدّة في شهر كانون الأوّل 2013، إلى استعداد الجيش الكندي لإجراء أوّل تجاربه على نظام الإتصالات الجديد الذي يُطلق عليه “الشبح الثلجي”، وهو جزء من استراتيجيّة كندية حثيثة لتحقيق الهيمنة على القطب الشماليّ في نهاية المطاف. النظام الجديد كلّف نحو 600 مليون دولار أميركي، وهو جزءٌ من الحشد العسكري طويل الأمد لكندا تجاه منطقة القطب الشماليّ. والجدير بالذكر أنّ “الشبح الثلجي” هو نموذج أوّلي صُمّم للمساعدة في توفير اتصالات ذات جودة عالية، خصوصًا في “فصل الشتاء” القطبي، ويمكنه التغلّب على المشاكل المتنوعة التي تتسبّب فيها التضاريس الأرضية، ويعدّ هذا النظام الإتصالي على درجة كبيرة من الأهميّة للسياسيين في كندا، الذين ناضلوا أكثر من عقد من أجل توسيع حدود كندا في الشمال، كما يوفّر هذا النظام للقوات الكندية سرعة الاستجابة لحالات الطوارئ، مثل التسريبات النفطية أو تفشّي الأمراض في مجتمعات القطب الشماليّ[7]. في آذار 2014، انتهت كندا من مشروع بلغت تكلفته 3.4 مليار دولار لتسيير خمس سفنٍ كدوريّة بحريّة فى القطب الشماليّ، مع المضيّ قدمًا في عددٍ كبير من المشاريع لتحسين القدرات العسكريّة الكندية في شمال البلاد.[8]
إنّها مجمل سياسة كندا والتّي تعتبر الدولة الندّ لروسيا في موضوع الصراع على القطب الشماليّ، لأّنها ثاني دولة من حيث امتداد شواطئها على المحيط المتجمّد الشماليّ، وهي دولة متطوّرة تملك اقتصادًا قويًا يجعلها لاعبًا شرسًا في المواجهة. لكن يبقى السؤال الأبرز، هل تستطيع كندا مواجهة روسيا التي يتصاعد دورها دوليًا من دون مساعدة الولايات المتحدة؟ وما هي التنازلات التي تقدّمها كندا للولايات المتحدة في المنطقة؟ في الواقع فإنّ الصراع متشعبٌ ولا يقتصر على دول القطب بل يتعدّاه إلى خارجها من الدول العظمى، حيث لا نستطيع إغفال ما تقوم به الصين.

ب-دور الصين
يعتقد العديد من الخبراء في المقلب الآخر، أنّ ممرّ القطب الشماليّ سيصبح الطريق البحري الذهبي المقبل للتجارة مع أوروبا، وأوّل شريك تجاري لها الصين. قد يعتبر البعض أنّ الصراع مقتصر على دول القطب ولكن نجد أنّ للصين مصلحة قوية توازي أو تفوق بأهميّتها الدول المذكورة أعلاه.
بدأت سفينة صينية يبلغ وزنها 19 ألف طن رحلتها في 8 آب 2013، من داليان إلى روتردام، حيث أبحرت من خلال الممرّ الشماليّ الشرقي وقلّصت الوقت الطبيعي للرحلة بمقدار تسعة أيام. يقدّر الخبراء الصينيون أنّه خلال سبع سنوات سيمرّ 5 إلى 7 % من حجم التجارة الدولية لثاني اقتصاد في العالم عبر القطب الشماليّ. وقد عقدت ندوة في مدينة داليان الساحليّة في شمال شرق الصين، ركّزت على إمكانية الاستخدام المنتظم لطريق شحن القطب الشماليّ ليونغ شنغ، وقال تساي مي جيانغ، المدير العام لإدارة المراقبة الأمنيّة والفنيّة لإحدى شركات الشحن إنّ “الشركة تفكّر في زيادة عدد السفن التي ستبحر من خلال الطريق الجديد”. وتأمل بكين في أن يكون الطريق المختصر أيضًا مفيدًا لتنمية موانئها في شمال شرق البلاد.[9]
على صعيد الثروة النفطية، تسعى الصين، أوّل دولة مستهلكة للطاقة في العالم، للحصول على الإحتياطي الكبير من النفط في القطب الشماليّ. إلى ذلك، فقد كشف مسؤولٌ رفيع في وزارة الخارجيّة الصينيّة، أنّ بكين وموسكو ناقشتا إمكانية مشاركة شركات صينية في عمليات التنقيب عن الموارد الطبيعيّة في المنطقة القطبية لروسيا. وتسعى الأخيرة جاهدةً إلى تسريع أعمال التنقيب عن النفط والغاز في المناطق القطبيّة الغنيّة بالموارد، بسبب العقوبات الغربية التي تمنع الشركات الأجنبية من مساعدة روسيا في استغلال ثرواتها الطبيعيّة. سعت الصين طوال سنتين أن تصبح عضوًا مراقبًا دائمًا في مجلس القطب الشماليّ، وبعد حملة دبلوماسيّة دامت سنوات، حصلت في أيار من العام 2014 على وضع دولة مراقبة في مجلس القطب الشماليّ، المنتدى الحكومي للتعاون. وتسعى إلى أداء نشاطٍ واسع النطاق، بما في ذلك الأبحاث العلمية وأعمال البحث والإنقاذ، ناهيك عن أنّه بوسع الصين أن توظّف موارد كبيرة لتطوير المنطقة.[10]
لعلّ ما قاله أحد الأميرالات الصينيين الكبار “ين زهو” يدلّ على نوايا بلده: تحترم الصين جدًّا حقوق السيادة لكلّ بلدٍ ضمن الحدود الرسمية المعترف بها، لكنّ منطقة القطب الشماليّ ليست كلها ضمن الحدود الإقليميّة للبلدان المشاطئة لهذا المحيط، فهي ملك الإنسانيّة جمعاء، ولا يمكن لأيّ أمّة الإدّعاء بالسيادة على أجزاء خارج حدودها الإقليميّة. وبما أنّ عدد سكان الصين يشكّل خمس سكان العالم، لذلك تُطالب الصين بخمس الثروات الطبيعيّة في منطقة القطب الشماليّ، خارج الحدود الإقليميّة للبلدان المشاطئة.[11] إذًا، يمكننا اعتبار ما جاء على لسان هذا الأميرال، تجسيدًا لواقع سائد حاليًا، بدءًا من تحرّك البلدان المشاطئة للمحيط لقوننة علاقتها بالواقع الجغرافي تمهيدًا لتحديد ملكيّتها، مرورًا بجميع المهتمّين بهذه الثروات وكيفيّة استثمارها. وأبلغ دليل على هذا الاهتمام، ما قامت به الصين في المنطقة، واعتبر انضمامًا إلى ساحة المنافسة.
إلى جانبِ ذلك، قامت الصين بنسج علاقاتٍ دبلوماسية مميّزة مع العديد من الدول القريبة من القطب. مثل إيسلندا، البالغ عدد سكانها 316 ألف نسمة فقط والتي تقع عند المدخل الغربيّ الشماليّ للمحيط المتجمّد الشماليّ، يُعتبر هذا الموقع الجغرافي من أفضل المواقع لنقل البضائع بواسطة السفن العملاقة الحاملة للحاويات. وضعت الصين في سفارتها، عددًا من الدبلوماسيين، يتجاوز عددهم عدد طاقم أيّ سفارة أخرى، كما أنّ السلطات الصينيّة الرسميّة استقبلت رئيس إيسلندا، لدى زيارته بكين، في الآونة الأخيرة، كرئيس دولة كبرى.

ج- النشاطات الأخرى لبعض الدول
نجد أنّ دولًا أخرى بدأت تتقدّم وتزيد استثماراتها وقدراتها العسكريّة هناك، كما تشكّلت تكتّلات صغيرة لأهداف دفاعية ولتطوير التعاون في ما بينها. كلّ ذلك لم يقتصر على الدول التي هي على تماس مع المنطقة القطبيّة الشماليّة سواء القريبة أو البعيدة، بل تعدّتها إلى الدول المتطوّرة المفتقرة للثروات الطبيعيّة والتي تحتاج إلى ممرّات لتصدير منتجاتها واستيراد ما تحتاجه من مواد أوّلية لتخفيض الانتاج والمحافظة على قدراتها التنافسيّة.
إنّ السباق نحو استغلال الثروات القطبيّة، بالإضافة إلى “العسكرة” المتزايدة في المنطقة، دفع بعض الدول لتشكيل محافل صغيرة للحوار، منها “NORDEFCO” وهو اتحاد النروج، الدنمارك، إيسلندا، السويد، فنلندا على سبيل المثال، الذي رفع شعار التعاون الدفاعي في القطب الشماليّ، وهو واحدٌ من مجموعات أُنشِئَت للتعامل مع القضايا المتنامية للمنطقة القطبيّة الشماليّة. في شهر آذار من العام 2013، أعلنت النروج استثمار مليار دولار لزيادة القدرات الدفاعيّة الشماليّة لها، ومثلها مثل دول الصراع الأخرى، فليس من المستغرب أن تقوم النروج برصد اعتمادات طائلة بشكل غير مسبوق، لاستكشاف جبال المنطقة ومسحها، أو لبناء 5 فرقاطات بحرية، هي الأحدث من نوعها، بهدف نشرها في أنحاء المنطقة. كذلك في كانون الأوّل العام 2014، قدّم الدانماركيون طلبًا إلى لجنة الأمم المتّحدة للحدود والجرف القاري “UNCLCS”، لتأكيد حقّها في المطالبة بأراضٍ في القطب الشماليّ.[12]
وفي هذا المجال، يخطّط المسؤولون اليابانيون للانضمام لمحادثاتٍ حول وضع قواعد دوليّة جديدة تجنّب الخلافات بشأن الموارد الطبيعيّة في منطقة القطب الشماليّ. ويشير المسؤولون إلى أنّ تطوير القطب الشماليّ قد يؤدّي إلى نزاعات، وعلى اليابان أن تنخرط في المناقشات حول وضع قواعد جديدة لتعزيز الحوار مع روسيا ودول أخرى مطلّة على القطب الشماليّ. بالتوازي، فقد أفادت وسائل إعلام يابانية في 22 كانون الأوّل 2013، بأنّ الشركتين “Inpex” و”JX Nippon Oil&Gas Exploration” ستقومان بالتنقيب عن النفط في منطقة القطب الشماليّ.[13]
ما من دولة مشاطئة، قريبة أو ذات شأنٍ عظيمٍ على الصعيد الدولي أو الصناعي، إلّا وأبدت اهتمامها بمنطقة القطب الشماليّ، كلٌّ حسب نظرته واعتباراته ومصالحه. لقد استعرضنا معظمها ومدى اهتماماتها وإستراتيجياتها حيال هذه المنطقة، ما عدا قطبي السياسة العالمية روسيا والولايات المتّحدة الأميركيّة. الأولى نظرًا لصعودها السريع والقوي من أجل استعادة دورها السياسي العالمي، إضافةً إلى امتلاكها أكبر شاطىء على المحيط المتجمّد الشماليّ، والثانية للمحافظة على موقعها العالمي كقوة عظمى.

القسم الثاني: الاستراتيجيّة الروسية
١- الموقع الروسي ونشاطاته العسكريّة والعملياتيّة
تمتدّ الحدود الشماليّة لروسيا على مسافة أكثر من ثلاثة آلاف ميل على المحيط المتجمّد الشماليّ. لكنّ بُعدها وبرودة مناخها وانخفاض ملوحة الماء، وندرة النباتات والحيوانات والبشر، وكذلك الأعماق الضحلة (معظمها أقل من 50 مترًا) والضباب الكثيف، خصوصًا في فصل الصيف، جعل روسيا تعتمد السياسة السوفياتية السابقة نفسها، فلم تُبدِ اهتمامًا بالمواقع العسكريّة، لصالح إعادة إنشاء شبكة واسعة من الاتصالات والمواقع العسكريّة في منطقة القطب الشماليّ، لكن التطوّر المستجدّ في المنطقة اضطرّ الروس لأخذ منحى جديد.
أ-تُعتبر روسيا من أوائلِ الدول التي ارتادت المنطقة في وقتٍ مبكر وذلك في نهاية القرن الثامن عشر، ومنذ ذلك الحين تمثّل المنطقة أهميّة استراتيجيّة خصوصًا لروسيا. وعليه فقد قدّمت في العام 2001 طلبًا إلى هيئة الأمم المتّحدة لتوسيع مساحة الجرف القطبي بموجب اتفاقية قانون البحار، لكن تمّ ردّ المطالبة لعدم كفاية الأدلّة.[14]
بعد فترةٍ طويلة من الركود الاجتماعي والاقتصادي، بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي وتحديدًا في العام 2007، رفعت روسيا علمها في إحدى مناطق الدائرة القطبية كما سبق وذكرنا في القسم الأوّل من هذا الفصل. زادت على أثر ذلك حدّة التدخّلات العسكريّة في منطقة القطب الشماليّ، لتشعل جدلًا حول نطاق سيادة كل بلد من البلدان المطلّة على المحيط، وليبدأ كلّ منها في تعزيز قوّتها البحرية في تلك المنطقة، ولا سيّما على صعيد القطع البحرية التي يمكنها إزاحة الثلوج.[15]
بالنسبة لروسيا، فإنّ إحياء القواعد العسكريّة، التي كانت نشطة إبّان الحرب الباردة، يُعدّ فرصة لإعادة تأكيد هيمنتها عبر منطقة القطب الشماليّ، وتأسيس وجود دائم وشامل لها هناك، حيث راهن الروس على المطالبة بأراضٍ في القطب الشماليّ والمناطق المحيطة به في قاع البحر، والتي لا تعود ملكيتها لأيٍّ من الأطراف الأخرى.
توسيع التواجد في منطقة القطب الشماليّ، هو مسألة أمن قومي بالنسبة إلى روسيا، نظرًا إلى أنّ مسؤولين غربيين بحثوا في عامي 2009 و2010 في واشنطن وبروكسل وأوتاوا، وغيرها من العواصم، خطط زيادة النشاط العسكري في منطقة القطب الشماليّ، وذلك تحت غطاء الطموحات الاقتصادية.
تكمن الأهميّة الاقتصادية لمنطقة القطب حاليًا، أنّها تؤمّن 11% تقريبًا من الدخل القومي الروسي، وتشكّل ما نسبته 22% من الصادرات الروسية كلّها. ويُستخرج في هذه المنطقة 90% من النيكل والكوبالت، و60% من النحاس، و96% من البلاتين. وقد اكتُشفت في الجرف القاري مطمورات صناعية من الذهب والقصدير والماس.[16]
ذكر “الكساندر جولتسAlexander Golts” الخبير العسكري ونائب رئيس تحرير دورية “يزهيندنيفني زهورنال”، أنّ المنطقة القطبيّة من وجهة نظر “بوتين” تبدو مثل معجزة ومكان ينطلق منه ازدهار الأجيال الروسية المستقبليّة. وأضاف، يعتقد بوتين أنّه إذا حصلت روسيا على المنطقة، ستسعى دول أخرى إلى السيطرة عليها، لذا يجب الدفاع عنها.[17]
يرى بوتين أنّ منطقة القطب الشماليّ لم تكن بالنسبة إلى روسيا، منطقة مصالح اقتصادية كبيرة فحسب، بل هي تُعتبر جزءًا مهمًّا من أجزاء القدرة الدفاعيّة الوطنيّة، وأنّ روسيا لن تتخلّى عن القطب الشماليّ، بل ستقوم بتنميته أكثر، وتحدّث عن خطّة للتعاون بين الجانبين الروسي والأميركي بهذا الشأن.
هل ما صرّح به بوتين هو الحقيقة كاملة أم جزء منها؟ الشاهد أنّه في الوقت الذي كان فيه بوتين يتحدث عن التعاون السلمي مع الأميركيين، كانت قواته المسلّحة في مرحلة الاستعداد للمواجهة مع الجانب الأميركي، إذ بدأت وحدات من قوات الدفاع الجوّي الفضائي الروسي الانتشار في منطقة القطب الشماليّ الروسية، كما باشرت روسيا بإقامة رادارات إنذار مبكر في مناطقها الشماليّة.
في كانون الأوّل 2013، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنّ روسيا ستقوم باستصلاح الحدود الشماليّة. ومنذ ذلك الإعلان، بدأت روسيا بتأهيل البنية التحتية السوفياتية في منطقة القطب الشماليّ، والتي تمتدّ من مورمانسك في شمال غرب البلاد على الحدود مع النروج، إلى ماجادان في الشرق والمطلّة على المحيط الهادي. وتشمل هذه الأراضي قواعد في جزر سيبيريا الجديدة في بحر “لابتيفLaptev”، ومركز كبير للتعدين في “فوركوتاVorkuta” و”فرانز جوزيفFranz Josef Land” أرخبيل في المحيط المتجمد الشماليّ.[18]
ب- قامت روسيا بتجديد قواعدها العسكريّة وتوسيعها، والتي تمتدّ على الحدود الشماليّة للبلاد، ما يمكّنها من زيادة قدراتها الجويّة والبحريّة. فضلًا عن تشكيل وحدات عسكريّة دائمة جديدة، مثل القيادة الاستراتيجيّة المشتركة في القطب الشماليّ في مدينة “سيفيرومورسك Severomorsk” على حدود روسيا الشماليّة الغربيّة، سنأتي على تفصيلها لاحقًا.
في العام 2014، تزايد الوجود العسكريّ الروسيّ في منطقة القطب الشماليّ، وفي 1 كانون الأوّل من العام نفسه، باشرت القيادة الاستراتيجيّة الشماليّة مهمّتها لحماية منطقة القطب الشماليّ ووسط روسيا من أيّ هجوم محتمل يأتي من الشمال. وقد أُشير إلى أنّ العام 2015 سيشهد انتشار وحداتٍ من القوات الجوّية وقوات الدفاع الجوّي في منطقة القطب الشماليّ الروسية، وستتبع هذه القوات، إضافةً إلى وحدات من القوات البحريّة والجويّة، لإمرة القيادة التي تمّ تشكيلها.(خريطة رقم1)
في العام 2015، بدأت روسيا بترميم المنشآت العسكريّة في “نوفايا زيمليا Novaya Zemlya” وتوسيعها، حيث تمّ وضع خطّة لنشر صواريخ مضادة للطائرات من طراز “اس-400 تريومْف” في أرخبيل نوفايا زيمليا، إضافةً إلى نصب بطارية من راجمات الصواريخ والقذائف المضادة للطائرات “بانتسير-اس1” في أحد المطارات في منطقة القطب الشماليّ الروسية. وفي آذار من العام نفسه جرت تدريبات عسكريّة شارك فيها أكثر من 45.000 عنصر، لتنفيذ حوالى 4000 من التمارين المقرّرة للعام 2015، الأمر الذي حمل المنافسين الآخرين على إجراء العديد من النشاطات العسكريّة، منها التدريبات السنوية لعملية “نانوك” العسكريّة في كندا، كذلك المناورات المشتركة للفايكنغ النروجي، التي جرت في آذار 2015، وهي الأكبر في تاريخ هذه القوّة الجديدة.[19]
إضافةً إلى ما تقدم، فقد نقلت طائرات مروحية من طراز “مي 8″، و “مي 26″، في شهر تشرين الأوّل2014، أكثر من 30 طنًّا من المواد والمعدّات إلى المطار العسكري “تيمب Temp”، حيث ينشط العمل في ترميمه وإعادة بنائه. وفي جزيرة كويتلي، إحدى جزر مجموعة نوفوسيبريك في المحيط المتجمد الشماليّ، شقّ الطراد الصاروخي والسفن المرافقة له في أيلول من العام نفسه الطريق إلى تلك الجزر وسط الكتل الجليدية، مستعينةً بكاسحات الجليد.[20]
هذا وتمتلك روسيا أكبر أسطول لاختراق الجليد في العالم، فلديها 18 سفينة، سبع منها تعمل على الطاقة النوويّة، وهي تسعى لبناء كاسحات جليد جديدة تعمل على الطاقة النوويّة، ويقدّر الخبراء بأنّ روسيا تحتاج بناء ما بين 6 إلى 10 كاسحات جليد نووية في السنوات الـ 20 المقبلة للحفاظ على تواجدها العملياتي في المناطق التي تدّعي ملكيتها لها في القطب الشماليّ. كذلك أنشأت روسيا مركزًا لبناء سفنٍ مجهّزة للتنقيب عن النفط في سيفردوفينسك، ومن المقرّر الانتهاء من هذا المشروع مع نهاية العام الحالي، حيث ستكون الأولى من نوعها في العالم.[21]
بما أنّ القطب الشماليّ يقع في محيطٍ متجمّدٍ سيصبح في ما بعد محيطًا مائيًّا، فقد تكلّل هذا السعي الروسي الاستراتيجيّ إلى التسلّح في القطب الشماليّ بعقيدةٍ مستحدثة للبحرية الروسية، تضع نصب عينيها حماية مصالح روسيا في المنطقة، عبّر عنها قائد سلاح البحرية الأميرال فيكتور تشيركوف أمام مجلس البحرية في الحكومة الروسية. ولأهميّتها، سيراقب الروس القارة البعيدة عبر قمرين اصطناعيين، “أركتيكا – أم1” و”أركتيكا – أم2″، بهدف رصد بيئتها ومناخها المتغيّر.[22]

٢- أسباب السياسة الروسية وخلاصتها
خمسٌ من الدول المشاركة في مجلس القطب الشماليّ تنتمي إلى حلف الناتو، وهي كندا، الدانمارك، النروج، الولايات المتّحدة وإيسلندا، وهنا يظهر البعد الدولي والاستراتيجيّ لهذا الصراع غير المعلن على القطب. لكلّ من هذه الدول أطماع مماثلة لتلك الروسية، وهي وضع اليدّ على ما أمكن من الموارد الطبيعيّة.
كلّ ذلك أدّى إلى التوتّر السياسي بين روسيا والغرب، والذي لا شكّ أنّه سينعكس سباقًا في استثمار موارد القطب، إنّها حرب باردة من نوع جديد، فهي حرب اقتصادية بامتياز، والهدف اليوم لم يعد السباق على التسلّح كما كانت الحال في القرن الماضي، بل أصبح النصر لمن يصل أوّلًا إلى مخزونات الأرض الطبيعيّة.
أبعد من الموارد الأوّلية، تسعى موسكو إلى تأكيد سيطرة عسكرية لها صدى سياسي، تُعدّ أحد أوجه الحرب الباردة الجديدة، وضمانةً للأمن القومي. وإنّ لمسرح العمليات الحربية في منطقة القطب الشماليّ أهميّة جغرافية، وعسكريّة استراتيجيّة، إذ تؤدّي قوات وسفن الأسطول الشماليّ والهادىء، وقوات الدفاع الجوي دورًا رئيسًا في ضمان الأمن العسكري لروسيا الاتحادية.
لعلّ هذا النشاط الروسي في الشمال، يأتي ردًّا على زحف نفوذ الحلف الأطلسي في المنطقة. ففي آذار 2015، أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أنّ روسيا تواجه تهديدًا متزايدًا من حلف شمال الأطلسي، وأنّ الحكومة الروسية سوف تستثمر 20 تريليون روبل لإعادة فتح قواعدها وتحديثها بحلول العام 2020.[23]
نوايا روسيا واضحة، فهي تطالب بالجرف القاري الذي تعتبره جزء من أراضيها، بعد الأزمة الأوكرانية، لم تتراجع روسيا أو تنكفئ في محاولة فرض سيطرتها على مناطقها في القطب. فما هي السياسة الغربية ومن ضمنها الناتو، وكيف ستقوم روسيا بمواجهتها والردّ عليها؟
قد يعوّل الغربيون على التراجع الاقتصادي الروسي لإضعاف موقف روسيا في التفاوض على المحيط المتجمّد الشماليّ، أو ينتظرون حلّ مشكلة أوكرانيا قبل الشروع في أيّ خطوة أو ردّ فعل بما يتعلّق بمنطقة المحيط المتجمّد الشماليّ.
في المقابل، تسعى روسيا عسكريًّا وفنيًّا على إحكام سيطرتها على نفط القطب الشماليّ، متّبعةً استراتيجيّة متكاملة من شقّين متعارضين:
فهي تقول إنّ سياستها تعتمد على حلّّ النزاعات في المنطقة مع الدول القطبية وفق القانون الدولي والإتفاقيات الدوليّة ممثلةً باتفاقيّة 1958 بخصوص الجرف القاري في القطب الشماليّ، والتي وقّع عليها كلٌ من روسيا، كندا، النروج، الولايات المتّحدة والدانمارك، وتطبيق اتفاقيّة 1982 لقانون البحار. كما فعلت روسيا والنروج مثلًا لتسوية مشكلة تقسيم الجرف القاري في منطقة القطب الشماليّ، حين وقّع الرئيس الروسي ورئيس الوزراء النروجي في 15 أيلول من العام 2010 في مدينة مورمانسك الروسية الحدودية، معاهدة ترسيم الحدود بين البلدين في بحر بارنتس والمحيط المتجمّد الشماليّ،[24] وقاما بحلّ مشكلة الحدود البحرية المتنازع عليها على مدى 40 سنة، حيث تبادل الجانبان أكثر من مرّة مذكّرات الاحتجاج بسبب محاولاتهما القيام بالنشاط الإقتصادي في المنطقة المتنازع عليها لبحر بارنس.
بينما ينافي الشقّ الآخر ذلك، فطموحات روسيا في القطب الشماليّ تعود للقرن التاسع عشر. والآن في القرن الحادي والعشرين، تقوم بتعزيز هذه الطموحات عبر التهديدات العسكريّة وتدعيم التواجد العسكري في مناطق ترى أنّها ملكٌ لها في القطب الشماليّ. ومن جهتها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنّ روسيا “لا تقوم بعسكرة القطب الشماليّ”، بل تستعدّ للردّ على “مجموعة واسعة من التهديدات المحتملة، تستدعي ضرورة تواجدنا العسكري الدائم”، مشيرةً إلى تزايد دور القطب الشماليّ في التنمية الاقتصادية وتوفير الأمن لروسيا في الآونة الأخيرة بشكلٍ ملموس.
تُعَدّ معظم الدول المطلّة على القطب الشماليّ جزءًا من التحالف الغربي بشكل واسع، ولا يتوقّع أن تتمكّن روسيا من فرض هيمنتها منفردة على تلك المنطقة، أضف إلى ذلك أنّ محاولات الصين التواجد في الشمال لا تقابلها موسكو بالترحاب، نظرًا لتوجّسها من التمدّد الاقتصادي الصيني في منطقة سيكون من الأفضل أن تبقى محصورة بين الغرب والروس، وهو قلقٌ تشاركه إيّاها اليابان، وهي جزءٌ من مجلس القطب الشماليّ، وتشترك مع روسيا في الكثير من المصالح في ما يخصّ الاستراتيجيّة في آسيا بشكل عام، خصوصًا أنّها تمتلك تكنولوجيا متطورة ستعوّض النقص الذي تعانيه روسيا في تطوير سفن قادرة على الحركة في القطب الشماليّ.
ولا يُستبعد أن تصبح منطقة المحيط المتجمّد الشماليّ حلبةً مستقبليةً لتصادمٍ حادٍّ بين مصالح استراتيجيّة لدولٍ عدة، على رأسها روسيا والولايات المتحدة، وهذا ما دفع بعض المراقبين الروس والغربيين إلى عدم استبعاد تطوّر الخلاف حول ثروات القطب المتجمّد الشماليّ إلى صراعٍ مسلّح “غير نووي”، استنادًا إلى تحذيرات روسيا المتكررة للدول الأخرى المطلّة على القطب الشماليّ من مغبّة منعها من الوصول إلى مكامن الثروات الطبيعيّة، واستنادًا إلى نشاط الولايات المتحدة الأميركيّة وحلفائها في مواجهة المصالح الروسية في تلك المنطقة.
إلّا أنّه من المستبعد اندلاع حربٍ على المدى القريب، وهذا لأسباب عدّة، أهمّها أنّ الأمر محكوم بقوانين دوليّة وأطر قانونيّة من شأنها الإسهام في الوصول إلى تسوية سلميّة ومُرضية للأطراف كافةً، لذا فإنّ خروج طرفٍ ما على اتّباع هذه الأطر والالتزام بها يمكن مواجهته عن طريق اللجوء إلى التحكيم الدولي. من هنا، وجب علينا الاطلاع على استراتيجيّة الولايات المتحدة الأميركيّة في هذا الصراع ومدى جهوزيّتها، لأنّه مهما عظمت جميع الدول، فليس بالإمكان مواجهة الروس من دون هذه القوّة العظمى.

ماذا ستفعل واشنطن خلال المرحلة المقبلة؟ لا شكّ بأنّ الترقّب هو سيّد الموقف حول مصير إحدى آخر المناطق الغنية غير المستغلّة، والتي تمثّل في الوقت نفسه فتيلًا محتملًا. ولكن رغم كلّ تعقيدات السياسة الدولية، يمكن تأكيد مسألتين:
– الأولى هي أنّ للروس مصالح وقدرات أكبر في القطب.
– أمّا المسألة الثانية، فهي أنّ الاهتمامات البيئية في هذه المنطقة هي آخر الأولويّات، وذلك على الرغم من أنّها تعدّ مفتاح تنظيم المناخ العالمي.
أخيرًا، صحيح أنّ شعورًا بتضارب المصالح بدأ بالظهور العلني في تلك “المناطق العذراء” في العالم، إلاّ أن منطقة القطب الشماليّ بعيدة، حتى الآن، من أن تكون مسرح أزمةٍ دوليةٍ وشيكةٍ. وتؤدي بعض السيناريوهات إلى القلق، خصوصًا في عصر البوتينية السياسية التي تسعى إلى إستعادة “قوة روسيا ومجدها” قبل أيّ شيىءٍ آخر.
القسم الثالث: استراتيجيّة الولايات المتّحدة الأميركيّة
١- القطب الشماليّ بالنسبة للولايات المتّحدة
تعود أهميّة القطب الشماليّ لأميركا منذ أن أصبحت دولة قطبيّة بعد شرائها ألاسكا من روسيا في العام 1867. وفي العام 1991، التحقت أميركا بالدول القطبيّة السبع حيث تمّ وضع استراتيجيّة حماية البيئة في القطب الشماليّ بين هذه الدول بمبادرةٍ من فنلندا، وبعد سبع سنوات، قدّمت كندا مبادرة لبحث فرص التنمية في القطب الشماليّ، مع العلم أن هذه الدول كانت قد وقّعت على إعلان “أوتاوا”.[25]
على الرّغم من أهميّة القطب الشماليّ، فقد تجاهلت الولايات المتحدة هذه المنطقة لسنوات طويلة، وهي الآن بحاجة إلى بناء استراتيجيّة متكاملة، دبلوماسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، وإعادة رسم الخرائط لتحديد الأماكن التابعة للأراضي الأميركيّة في القطب الشماليّ بدقّة، لتتمكّن من استخدام الموارد الكامنة في تلك المناطق. من المؤكّد أنّ الولايات المتّحدة قد وضعت استراتيجيّة شاملة تَهدف إلى توجيه ردود عسكريّة في منطقة القطب الشماليّ. الرؤية الأميركيّة تأتي على ضوء المخاوف الناجمة عن التغيير المناخي، وهي ترمي إلى تحقيق التوازن بين الأمن البشري والأمن البيئي في المنطقة. كما تصوّر الاستراتيجيّة الأميركيّة الجديدة القطب الشماليّ على أنّه نقطة انعطاف، سواءَ من حيثُ تقلّص الغطاء الجليدي أو زيادة النشاط البشري.
لم توقّع الولايات المتّحدة على اتفاقيّة قانون البحار، لذلك “يحقّ لبقية الدول عدم أخذ رأي واشنطن بالاعتبار بشأن ترسيم الحدود. لأنّ الدول الموقّعة على قانون البحار، يحقّ لها فقط التصويت، والولايات المتّحدة ليست من ضمن هذه الدول. مع العلم أنّ الخارجيّة الأميركيّة كانت قد طلبت عدّة مرّات من أعضاء مجلس الشيوخ التوقيع على الإتفاقيّة. موقف واشنطن هذا يمكن أن يعطي ميّزات تنافسيّة معيّنة، وفي حال أهملت الولايات المتّحدة القانون الدولي، وبدأت عمليات الاستكشاف والتنقيب في الجرف القاريّ الذي لا يعود لها بمساعدة الأسطول البحري الحربي، فإنّ هذا لن يرضي حلفاءها أوّلًا لأن لديهم مصالحهم في القطب الشماليّ. وعليه يمكن طرح السؤال الآتي: كيف تفكّر الولايات المتّحدة الأميركيّة في التعامل مع مستقبل منطقة القطب الشماليّ؟

أ- الأهميّة الاقتصاديّة بالنسبة للولايات المتّحدة
مع توقّع ارتفاع الطلب الأميركي على الغاز الطبيعي السائل كمصدر رئيس لتوليد الكهرباء، لابدّ أن تعتمد الولايات المتّحدة على توسيع نطاق تطوير منحدَر شمال ألاسكا، وهو المنطقة الممتدّة من الحدود الشرقيّة مع كندا إلى بحر “تشوكشيChukcha” الخارجي وبحر “بيوفورت Beaufort” ومنطقة (ANWR” (Arctic National Wildlife Refuge” وهي منطقة محميّة بيئيًّا في ألاسكا ومنطقة الوسط في القطب الشماليّ بين أنهار “كولفيل Colville وكانينغ Canoeing”، لما لها من أهميّة اقتصاديّة.(خريطة رقم2)
تبين الإحصائيّات إلى أنّه بين الأعوام 1977 و2004، أَنتجت شركة “برودهوي باي Prudhoe Bay” النفطية أكثر من 15 مليار برميل نفط من مناطق قريبة من منحدر شمال ألاسكا، لكنّ معدّل الإنتاج في انخفاض هائل[26]. وفق تقرير لوزارة الطاقة الأميركيّة، فإنّ هذه المنطقة قد تحتوي على 36 مليار برميل نفط، و3.8 تريليونات سنتمتر مكعب من الغاز الطبيعي. وفي العام 1988 قدّرت “برودهوي باي”، أنّ هناك أكثر من 25% من المخزون النفطي الأميركي الخام يوجد في مناطق بمنحدر شمال ألاسكا.[27] كما يذكر تقرير وزارة الطاقة الأميركيّة أنّ بحر “تشوكشي وبحر بيوفورت” يحتويان على حوالى 14 مليار برميل من النفط و2 تريليون سنتمتر مكعّب من الغاز. إذا ما قدّر استخدام هذه المناطق، إضافةً لمنطقة “ANWR” التي يقدّر الاحتياطي فيها بنحو 10 مليارات برميل، فإنّه باستطاعت الولايات المتّحدة أن تنتج مليون برميل يوميًّا يمكن نقلها عبر خط أنابيب ألاسكا الذي تبلغ سعته التخزينية المعدّل ذاته (مليون برميل يوميًّا)، وهذا الإنتاج اليومي سيوفّر نحو 123 مليار دولار صادرات بترولية يوميًّا، ويخلق ما مجموعه 7.7 مليارات دولار في أنشطة إقتصاديّة جديدة، ويوفّر نحو 128 ألف فرصة عمل.[28]

ب- ملامح الصراع.
بدأت ملامح الصراع تَظهر من ردّ فعل وزارة الخارجيّة الأميركيّة، إذ اعتبرت الولايات المتّحدة رفع العلم الروسي في قاع المحيط الشماليّ العام 2007 -كما سبق وذكرنا- بمثابة إعلان الحرب على القطب الشماليّ، وأنّها تعتزم الردّ على تحدّي موسكو بعد أن يصادق برلمانها على المعاهدة ذات الصلة.
طبعًا، فإنّ الخطوة التي قامت بها روسيا في القطب الشماليّ لن تمرّ على سلام وإشادة، خصوصًا من الخصم التقليدي للدبّ الروسي أي الولايات المتّحدة الأميركيّة، حيث ندّدت الأخيرة بهذه الخطوة إذ أعلن المتحدث باسم الخارجيّة الأميركيّة “توم كيسي” أنّه لا يمكن لروسيا أن تدّعي السيادة على هذه المنطقة الغنيّة بالموارد الطبيعيّة، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنّ بلاده لا تستطيع الآن التصدّي لخطط روسيا وإثبات حقّها في ما تدّعي روسيا ملكيّته.[29]
قامت وزارة الدفاع الأميركيّة بإرسال السفينة “هيلي” الكاسحة للجليد إلى المنطقة لرسم خرائط لقاع المحيط، غير أنّ العلماء المشرفين على الرحلة رفضوا منحها أيّ بعد سياسي، وشدّدوا على أنّ الهدف الرئيسي يبقى علميًا إلى أبعد مستوى، وقد أقلّت على متنها 20 عالمًا، كما نظّم معهد “وودز هول” الأميركي بعثة أميركيّة للعمل في المنطقة.

٢- الاستراتيجيّة المتّبعة من قبل الولايات المتّحدة
بدأت الولايات المتّحدة تستثمر جديًّا في برامج ووكالات متعدّدة منذ العام 2001، حيث طالب الرئيس السابق جورج بوش الابن الكونغرس بتخصيص مبالغ تقدّر بما يزيد عن 35 مليار دولار لدراسة التأثيرات المناخيّة وتطوير البحوث العلميّة والتكنولوجيّة من أجل دراسة كيفيّة استغلال موارد القطب الشماليّ، فكيف تسلسلت الاهتمامات؟[30]
منذ العام 2013، بدأت إدارة الرئيس “باراك أوباما” تولي أهميّة للسياسة الخارجيّة الخاصة بمنطقة القطب الشماليّ، بعد أن كشفت وثيقة استراتيجيّة المنطقة وأهميّة التركيز للحفاظ على الممرّات البحريّة وحماية البيئة، وعلى الرّغم من أنّ الولايات المتّحدة والاتحاد السوفياتي السابق تنافسا في منطقة القطب الشماليّ إبّان الحرب الباردة، إلّا أنّ واشنطن تبدو غير متحمسة لعسكرة منطقة القطب الشماليّ خلافًا لرغبة بلدان الشمال الأوروبي التي تريد حقًا أن تؤدي الولايات المتّحدة دورًا قياديًا أكبر في القطب الشماليّ لتحقيق التوازن مع روسيا.
كان الرئيس أوباما قد كشف النقاب، في أيّار 2014، عن استراتيجيّة بلاده الجديدة بشأن المنطقة القطبيّة الشماليّة، وهي الاستراتيجيّة التي تقع في 13 صفحة تؤكّد أنّ الولايات المتّحدة ستعمل مع الدول الأخرى بهدف حماية البيئة الهشّة في المنطقة وإبقائها خالية من الصراعات، وفي الوقت نفسه لن تترك الباب مفتوحًا على مصراعيه للدول الأخرى، مثل روسيا والصين وكندا والنروج، لرسم خطط بدء عمليات التنقيب عن الغاز والنفط أو لإجراء تدريبات عسكريّة بالمنطقة.[31]
تأكيدًا لسيادة الولايات المتّحدة في منطقة القطب الشماليّ، حذّر وزير الدفاع الأميركي السابق “تشاك هاجل Chuck Hagel” كلًّا من روسيا والصين والدول الأخرى التى لها تطالب بحقوق في المنطقة، من توسيع استخدامهم للمياه الجليدية لأجل التدريبات العسكريّة أو العبور من خلالها، مشيرًا إلى ضرورة تجنّب الصراع على النفوذ في القطب الشماليّ. هاجل الذي كان يتحدث في منتدى أمني قال “إنّ استكشاف الطاقة في منطقة القطب الشماليّ غير مستغل إلى حدٍّ كبير ويمكن أن يزيد من حدّة التوتر الدولي، ويجب أن نعملَ معًا لتجنّب الصراع، وسَنظلّ على استعداد لكشف التهديدات وردعها ومنعها، وسنواصل ممارسة السيادة الأميركيّة في آلاسكا وما حولها”[32].
خلال العام 2015، كُشف النقاب عن الاستراتيجيّة الجديدة مع بدء الولايات المتّحدة استعداداتها لتولّي الرئاسة الدورية لمنتدى الإدارة الإقليميّة الرئيسة المعروف باسم مجلس القطب الشماليّ. وبدأت ممارستها لهذا المنصب، وقد وفّر هذا الموقع لواشنطن دورًا قياديًا جديدًا فريدًا من نوعه بشأن قضايا القطب الشماليّ.
هذا وتنشر الولايات المتّحدة حاليًا حوالى 27 ألفًا من العسكريين المتمركزين في ألاسكا، ويقول قائد قوات خفر السواحل الأميرال “بول زاكنفت Paul Zukunft” “نحن من زمنٍ بعيد منزعجون لأنّ البلاد لا تملك المواردَ الكافية لدعم وجودنا في القطب الشماليّ”، مضيفًا أنّ أسطول خفر السواحل يضمّ كاسحتي جليد تخطّاهما الزمن، وأنّ عدم وجود موانئ عميقة يَحولُ دون تطوّر حركة الملاحة. يقول زاكنفت “الولايات المتّحدة لم تشترك في هذه اللعبة نهائيًا”. المنطقة تحتاج إلى استثمارات، ولكنّ اختلاف وجهات النظر السياسيّة والبيروقراطيّة تعيق ذلك.[33]
مع ذلك يعتقد البعض في الولايات المتّحدة أنّ بلادهم تخسر في هذه المواجهة أمام منافسيها وخصوصًا أمام روسيا، وعلى أوباما الذي هو أوّل رئيس أميركيّ يزور الدائرة القطبيّة الشماليّة، أن يعلن موقف الولايات المتّحدة من هذه المسألة. فما هي المشاكل والصعوبات وما هي أسبابها؟

أ-الصعوبات أمام تطوير استراتيجيّة الولايات المتّحدة.
على الرغم من تولّي الولايات المتّحدة رئاسة مجلس القطب الشماليّ، وفي حين أنّ هناك العديد من العناصر المهمة فى قيادة القطب الشماليّ واردة في الاستراتيجيّة الوطنية الأميركيّة، فإنّ المقياس النهائي لقدرتها على القيادة لا يأتي من السياسة وحدها، بل أيضًا من استعدادها لتَخصيص الموارد اللازمة لتعزيز المصالح الوطنية وتشكيل قواعد عالميّة مؤاتية للسلام والاستقرار والمسؤوليّة.
لم تبرهن الولايات المتّحدة بعد على وجود التزام قويّ لقيادة القطب الشماليّ في القرن الحادي والعشرين، ولعلّ أوضح مظاهرَ ذلك ضعف أسطول سفن كاسحات الجليد الأميركيّة، الذي يتكوّن حاليًّا من كاسحة جليد ثقيلة واحدة، مع عدم وجود استراتيجيّة وطنيّة ذات صدقيّة وطنية واضحة للمحافظة على هذه القدرة، ناهيك عن توسيعها.
يركّز إطار مجلس القطب الشماليّ تحديدًا على المصالح غير العسكريّة المشتركة، على الرّغم من ذلك فمن الخطأ افتراض أن تكون المنطقة فى مأمن من الحوادث في المستقبل، سواء من الزيادات في السياحة والشحن وتطوير الطاقة، أو حتّى صراع جيوسياسي محدود. لذلك على الولايات المتّحدة الحفاظ على قدرة كاسحات الجليد الثقيلة لضمان سهولة الوصول إلى المنطقة على مدار السنة، وتكون جاهزة للردّ فى حال تهديد السلامة أو الأمن أو التهديد البيئي.
يُعتبر البحث عن الموارد الهائلة غير المستغلّة فى القطب الشماليّ وفتح الممرّات البحرية مستوى جديد في النشاط البشري، لذلك تحتاج السفن البحرية الأميركيّة إلى كاسحات الجليد لتنفيذ هذه المهمّة. وتعتبر سفينة النجم القطبي التابعة لخفر السواحل والتي دخلت الخدمة منذ 40 عامًا، كاسحة الجليد الأميركيّة الوحيدة التي يتيح لها حجمها وقوتها الوصول إلى المناطق القطبية، وكلفة إعادة تأهيل هذه السفينة، تبلغ حوالى 60 مليون دولار، ومن المتوقع أن تستمر في عملها من سبع إلى عشر سنوات فقط.[34]
إذا كان ضمان القدرة على الوصول إلى أيّ منطقة من مناطق العالم مبدأ أساسي في سياسة الأمن القومي الأميركي لعقود، فإنّ القطب الشماليّ يدخل في هذا الإطار. وتختلف الولايات المتّحدة عن دول القطب الشماليّ الأخرى، مثل روسيا، التي أظهرت التزامًا دائمًا بضمان الوصول إلى القطب الشماليّ بكاسحات الجليد الثقيلة. ربّما تُعتبر هذه الاستثمارات متناسبة مع حجم الساحل القطبي الشماليّ لروسيا وارتباطها بالمنطقة الاقتصاديّة الخاصة بها، وكلاهما أكبرُ بكثير من مثيله في الولايات المتّحدة أو أيّ دولة أخرى في القطب الشماليّ. تشير معظم التقديرات إلى أنّ بناء سفينة واحدة فقط في حوض أميركي لبناء السفن يحتاج إلى برنامج مدّته عشر سنوات بتكلفة مليار دولار تحت سيطرة كاملة من الحكومة الاتحاديّة. يوضح هذا أهميّة الحصول على سفينة جديدة بعد الفترة الباقية من العمر الإفتراضي للنجم الجنوبي أمرًا ملحًّا.
ينبغي باختصار أن يكون للولايات المتّحدة القدرة على الوصول إلى المناطق القطبيّة ودخولها بشروطها الخاصة. لا يوجد كيان أفضل من حرس السواحل الأميركي لتحقيق هذه الضرورة. يبقى خفر السواحل أيضًا واحدًا ضمن عدد قليل من الجهات الحكومية القادرة على التعاون مع الروس، استنادًا إلى سنوات من التعاون البحري مع حرس الحدود. وفي حين تبدو الحاجة للاستثمار في كاسحات الجليد واضحة، يفتقر خفر السواحل إلى الموارد اللازمة للإعتماد على ذاته فى هذه المهمة. السؤال هنا كيف تأتي الكاسحة الجديدة فى مواجهة أولويّات أخرى، أكثر إلحاحًا فى ظل القيود الحالية في الميزانية. لعلّ الحل يكمن في التمويل الأنسب وهو الذي يعكس مدى اتساع المصالح الحكوميّة الأصليّة في القطب الشماليّ، بما فى ذلك السلامة، الأمن، حماية البيئة، تسهيل التجارة البحرية والتنمية الاقتصاديّة، الدفاع الوطني والبحث العلمي. بعبارة أخرى: التمويل من أجهزة الحكومة لتقديم ثروة وطنية متعدّدة المهامات.

ب- الوضع الأميركي الحالي
يبدو أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستسارع قريبًا إلى لملمة أوضاعها المتناثرة في أكثر من منطقة، وذلك لحفظ مكان ما في تركيبة صنع القرار العالمي متعدّد الأقطاب والأطراف. أمّا في ما خصّ تعاظم قوّة موسكو في القطب الشماليّ، يعتقد البعض في الولايات المتحدة أنّ بلادهم في هذه الحرب تخسر أمام منافسيها وخصوصًا أمام روسيا. على أوباما، الرئيس الأميركي الأوّل الذي يزور الدائرة القطبية الشمالية، أن يعلن موقف الولايات المتحدة من هذه المسألة.
إضافةً إلى ذلك، تُعدّ العلاقات بين كندا والولايات المتحدة هي الأخرى نقطة خلاف رئيسية بين دول المجلس، إذ هناك العديد من المسائل العالقة في ما خصّ الحدود بين البلدين، أبرزها الممرّ الشماليّ الذي يمرّ عبرَ جزر كندا وإلى الشمال، والذي تعتبره كندا جزءًا من مياهها الإقليمية، في حين تَعتبرُه واشنطن مياهًا دولية، وهي أزمة معرّضة للتفاقم بالنظر لكون الولايات المتحدة واحدة من الدول غير الموقّعة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS.
عدا ذلك، يبدو أنّ الولايات المتحدة لن تواجه متاعب كثيرة في خلق منظومة متوازنة بينها وبين الروس، وقد تكون العقبة الوحيدة في تعزيز مكاسبها، إلى جانب الخلاف مع كندا، خلافات سياسية قد تنشأ مع دول إسكندينافيا. فالسويد، الدولة الأبرز في شمال أوروبا، ليست عضوًا بالناتو، وفنلندا كذلك، وهو ما قد يحدّ من قدرة واشنطن على فرض سياساتها الأقل انفتاحًا على الروس بشكل عام من نظيرتها الأوروبية، خصوصًا في ما يتعلّق بالتحرّكات العسكرية، والتي ستحتاجها الولايات المتحدة عاجلًا أم آجلًا لتوجيه رسالة لموسكو بأنّها موجودة في الشمال.
ما تؤكّده سياسة أوباما هو انتقال الأولويّة الأميركية من أوروبا والشرق الأوسط إلى حوض الباسيفيك وليس إلى القطب الشماليّ، على خلفية تراجع المخاطر التي تهدّد المصالح الأميركية في كلتا الدائرتين، أو حتى تراجع أهميّتهما، كما أنّ الصين باتت تمثل التهديد الأكبر لموقع أميركا ودورها في الساحة الدولية. أوروبا، بالطبع، كانت الأولويّة الأميركية طوال سنوات الحرب الباردة الطويلة، لكنّ الاستراتيجيّة الأميركية مرّت بمرحلة انتقالية، غير واضحة المعالم، خلال التسعينيات. ومنذ عام 2001، جعلت إدارة بوش الإبن الشرق الأوسط، أولويّتها الاستراتيجيّة، من دون أن تهمل تعزيز وضع حلف شمال الأطلسيّ، وتوسيع نطاق عضويّته، في وسط وشرق أوروبا.
ثمّة عددٍ من الأسباب وقفت خلف صعود حوض الباسيفيك إلى مقدّمة أولويّات الولايات المتحدة الاستراتيجيّة في العالم، وتراجع موقع الشرق الأوسط وأوروبا، وعدم التركيز على مواجهة روسيا في القطب الشماليّ:
– الولايات المتحدة، والكتلة الأطلسية ككل، تعاني أزمة مالية-اقتصادية حادّة وطويلة منذ العام 2008، ممّا يتطلّب إعادة النظر في أولويّات الإنفاق في مختلف أنحاء العالم.
– الولايات المتحدة تحرز تقدّمًا حثيثًا في جهود الإكتفاء الذاتي من مصادر الطاقة، التي أعطت للشرق الأوسط أهميّة مضاعفة خلال العقود القليلة الماضية.
– الصعود الإقتصادي للصين، على الرّغم من التباطؤ النسبي بعد العام 2008، سيتيح لها في النهاية التحوّل إلى قوة دفاعية منافسة، وليس إقتصادية – مالية وحسب.
– ليس ثمة مخاطر آنيّة على مصالح الولايات المتحدة تمثلها التحوّلات في القطب الشماليّ، كما أنّ روسيا والتي تعتبرها دولة إقليمية وليست قطبًا منافسًا، أضعف من أن تشكّل تهديدًا كبيرًا. ويمكن، من خلال شبكة تحالفات إقليمية، تحقيق الأهداف السياسية الأميركية الملحّة، من دون أن تتحمل الولايات المتحدة أعباء كبيرة.

الخاتمة
من الملاحظ أنّ الإتّجاه المتشائم حول مستقبل الطاقة البترولية في الدول الكبرى الفاعلة بدأ يسود، إذ ينتشر فيها شعور بالقلق وتميل كلّ دولة منها إلى نزعة السيطرة على توقعات حول وجود الطاقة البترولية ومنها القطب الشماليّ، متأثرةً بمخاوف شحّ هذه الطاقة في المستقبل، ما يشير إلى بداية مخاوف ربما تؤدي إلى صراعات عسكرية على مستوى الدول الكبرى، ليس الهدف هو مصادر الطاقة فحسب، بل السيطرة على طرق التجارة العالميّة المستجدّة.
إنّ أكثر ما يشغل بال الدول الخمس الأبرز المحاذية للقطب الشماليّ، هو هذا التبدّل المناخي الذي سيؤدّي إلى تغييرات عديدة في مفاهيم سياسيّة وعسكريّة وتجاريّة كوّنتها على مدى سنوات. وتتجنّب الدول الخمس عقد أيّ إتفاق ملزم في ما بينها بما يخصّ القطب الشماليّ، فهي لا تريد حصر نفسها باتّفاق مماثل قد يؤدّي إلى تعقيدات في ما يتعلق بتقسيم الجرف القاري، بل يحكم العلاقة بين هذه الدول “مجلس القطب الشماليّ”. الهدف منه تنظيم أيّ مشكلة قد تطرأ على القارة المتجمّدة الشماليّة، ولكنّ قراراته غير ملزمة للدول الموجودة فيه.
يبدو أنّ المنطقة ستشهد بالفعل بدء المغامرات الاقتصادية، والتي ستنصبّ في الفترة المقبلة على استخراج ثرواتها لتعزيز الوضع المالي وأمن الطاقة للدول المطلّة على البحر القطبي، إضافةً إلى خطوات أوّلية نحو وضع بنى تحتية أساسية، مثل خط اتصالات وبناء موانئ للتنقّل في الصيف حيث يقلّ الجليد وتسهل الحركة، وهي تحركات ستحتاجها كل دول المنطقة وستتجه من أجلها لترسيخ التعاون في ما بينها في إطار مجلس القطب الشماليّ، من دون أن تغفل التنافس الاستراتيجيّ الطبيعي، ولا سيّما بين موسكو وواشنطن والذي أصبح أحد مصادر اندلاع حرب عالمية باردة جديدة بدأت معالمها تظهر بوضوح. الدول الكبرى لا تعترف بالمهادنة على حساب المصالح خصوصًا إذا كانت هذه المصالح إقتصادية.
تؤدّي التبدلات الحاصلة في القطب الشماليّ إلى تغييرات جيوستراتيجيّة جذرية في العالم، عبر تقديم ممرّ بحري جديد لم يكن قائمًا، وبالتالي سيؤثّر على أهمّ الممرّات المائية العالمية وهي قناة السويس، بحيث يتلاشى الدور الحصري لهذه القناة التي كانت منذ إنشائها سببًا لصراعات وحروب ومكانًا للتنافس على النفوذ والسيطرة للدول الكبرى. لقد تغيّرت شبكة العلاقات الدولية من خلال قناة السويس، ولابدّ أن تتغيّر مرة أخرى من خلال الممرّات البحرية القطبية التى يشقّها الارتفاع المطّرد في حرارة الأرض.
ومن الجدير بالذكر أنّ الدول الكبرى لا تعرف شيئًا اسمه التعايش السلمي، ولا تعترف بشيء اسمه المبادىء السياسية، إلّا إذا تحقّقت أطماعها الاقتصاديّة. الدول الكبرى تحاربت في ما بينها، وكانت رحى معظم حروبها في منطقتنا لما تتمتّع به من ثروات طبيعية وأهميّة استراتيجيّة. جاء الآن، وربّما بنعمة إلهية، أن تتكوّن منطقة أخرى من عالمنا تتقاسم الخصائص والميّزات نفسها، أليس من المفروض علينا، نحن سكان هذا الشرق، أن نستفيد من انشغال الدول الكبرى في تنافس ربما يكون عسكريًا لنبني اقتصاداتنا ونثقل مجتمعاتنا؟
إنّ حروبًا عالميّة تدقّ طبولها، نسمع صداها وليست في منطقة الشرق الأوسط. منطقتنا الآن مهمة ولكنّها لم تعد الأهم في استراتيجيّات الدول العظمى. ستصبح المنطقة حديقة خلفية للصراع العالمي وليست ساحته الرئيسة، وستتراجع أهميّة الموقع والطاقة وتصبح الأولوية لمكافحة الإرهاب، المصالح تحكم علاقات الدول وليس العواطف، وستتغيّر الخرائط والتحالفات، وهنا يكمن السرّ، فأين نحن من هذه التغييرات الجذرية المقبلة؟

لا تعليقات

أترك تعليق