الحرب البحريّة والمواجهة العالميّة القادمة

الحرب البحريّة، تاريخيّاً، هي ميدانٌ حصري للقوى العظمى، بعيدٌ عن خيال ومتناول دول الجنوب الفقيرة. في وسعك، ولو كنت بلداً صغيراً، أن تقتني قطعاً بحريّة وخفر سواحل وأن تضع عليها علمك. ولكنّ المنافسة على تزعّم المحيطات في عمقها، بعيداً آلاف الكيلومترات عن اليابسة، والسيطرة على ثلثي مساحة كوكب الأرض، تستلزم كلفةً وموارد لا تتوفّر تقليدياً الّا لمجموعة صغيرة من الدول أو لقوّة عظمى وحيدة، كما هي الحال اليوم

لبحريّة ــــ لأسباب لا تحتاج لتوضيح ــــ هي عالمٌ خاصّ مغلقٌ على نفسه، بتقاليده وتاريخه وتقنياته، وحتّى في نظرته المختلفة الى الجغرافيا والزّمن

و دائما ما كانت البحار و سفنه هى مجال خصب لابتكارات البشر فمثلا أوّل كمبيوترٍ «عمليّ» في العالم قد تمّ بناؤه لكي يركّب على بوارج «دريدنوت» البريطانيّة في أوائل القرن العشرين (فئة «دريدنوت» الأثقل كانت، في ذلك السياق وبالنسبة الى الامبراطورية البريطانية، رمزاً يوازي حاملة الطائرات الأميركية اليوم

HMS_Dreadnought_1906_H61017

في الحرب البحريّة، التصويب هو مسألة معقّدة للغاية، بخاصّة مع ظهور المدافع ذات الأعيرة الكبيرة التي تركّب على البوارج، ويقارب مداها العشرين كيلومتراً (من مميّزات السّفن هو انّك تستطيع أن تحمّلها مدافع ــــ وصواريخ -ورادارات – ذات حجمٍ ووزنٍ لا يمكن تشغيله وتحريكه على البرّ). في البحر انت تتحرّك على الدّوام، والهدف يتحرّك ايضاً، وهناك أمواجٌ ترفعك وتخفضك، وتقدير المسافة بدقّة عبر الماء لم يكن أمراً هيّنا، وعليك أن تحسب ايضاً سرعة الرياح ومدّة طيران القذيفة، الخ… من الممكن أن تحصل على هذه المعلومات كلّها وأن تضعها في معادلة، ولكن من شبه المستحيل على أيّ بشريّ أن يحلّ هذه المعادلة على ورقةٍ في ثوانٍ قبل أن يكون مكان الهدف قد تغيّر.
لهذا السّبب جاء الكمبيوتر الأوّل، الـ»دومارسك» عام 1902، وهو كان ــــ ككل الحواسيب في بداية عصرها ــــ ميكانيكياً يزن أطناناً، بمعنى أنّه يحوّل معلومات حسابية الى حركات ميكانيكيّة باستخدام نظام كراتٍ حديديّة أو تروسٍ، وهي مرتّبة ومصمّمة لحلّ معادلة محدّدة. فتُدخل الى «حاسوب» البارجة معلومات عن السرعة واتجاه الهدف والمدى وغيرها ليعطيك، بشكلٍ شبه لحظي، رقماً هو «حلٌّ ناريّ»، أي الموقع الذي سيكون فيه هدفك بعد عشر ثوان (هو فعلياً، في نموذجه الأوّل، كان يعطي رقمين يمثّلان وتيرة حركة الهدف بالنسبة اليك في الاتجاهين: كم يبتعد عنك أو يقترب في الدقيقة وكم يذهب شرقاً أو غرباً بالنسبة اليك في الدقيقة، وهذا يسمح بتنسيق مدافع السفينة لتضرب جميعها على الموقع الصحيح في لحظةٍ محدّدة سلفاً).
التنافس البحري قد جعل من الأساطيل مرتعاً للإختراعات التكنولوجية والاستثمار المكلف والإنشاءات الهائلة، حتّى أنّ أحد اسباب انطفاء الامبراطورية البريطانية، بحسب العديد من المؤرخين، هو أنّ كلفة الحفاظ على الهيمنة البحرية كانت تتزايد بوتيرة أسرع من نموّ اقتصاد الامبراطورية وعائداتها.

2 تعليقات

أترك تعليق