طريقة واشنطن في تفكيك دول سايكس بيكو.. “إعادة تركيب” العراق أولا وبنفس طويل

تعيش منطقة الشرق الاوسط خطر التقسيم من قبل الولايات المتحدة، ويبدو العراق أكثر الدول قربا في الوقت الحالي من هذا السيناريو بحكم ما يجري على أرضه من تطورات متلاحقة وانقسامات حادة.

كل ذلك جاء إثر أزمة اقتصادية خانقة جففت تمويل الحشد وأضعفت من دوره في ظل علاقة الحشد المتوترة جدا مع الجانب الأميركي وغضبه من تحول الجانب الأميركي عن دعمه لصالح دعم عشائر الأنبار لتتولى تحريرها من داعش ولفرض قانون الحرس الوطني كأمر واقع قبل تشريعه وتحويل محافظة الأنبار، كما تتحدث الأنباء إلى إقليم خارج سلطة المليشيات.

وأدى هذا التحول الأميركي إلى توتر علاقة الحشد الشعبي مع الجانب الأمريكي وانسحاب الحشد الشعبي من الجبهات وازدياد شعوره بالقلق على مكتسباته وضياع إنجازاته خلال السنة الأولى من حكومة العبادي التي انتهت بخيبة أمل الحشد، إذ كانت قرارت إصلاح العبادي قد أطاحت بالمالكي وقلصت من النفقات الحكومية وحدت من دور المليشيات قليلا.

ولو عدنا إلى الوراء قليلا وتحديدا في العام 1990 بعد تحرير الكويت من الغزو العراقي، لوجدنا كيف أدت إلى قرارت مجلس الأمن إلى وضع العراق تحت خطوط عرض 32و36 لغل يد نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين حينها عن المناطق الواقعة جنوبا تحت خط 23 أو شمالا فوق خط 36.

فبعد انتهاء حرب الخليج الثانية العام 1991 فرضت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا حظرا جويا داخل العراق فيما عرف بمناطق الحظر الجوي شمالي العراق وجنوبه بحجة حماية الأكراد والشيعة.

ورغم أن الحكومة العراقية انذاك لم تعترف بشرعية هذه المنطقة كونها لا تستند على قانون صريح وواضح من مجلس الأمن واعتبرتها محاولة لتقسيم العراق إلا أن ذلك أدى إلى فرض أمر واقع ليس في كردستان العراق تحت سيطرة البيشمركة الكردية فحسب، بل في محافظات الجنوب التي ثارت ضد صدام بعد تدمير وتراجع الجيش العرقي من الكويت.

ورغم أن صدام قد قمع ثورة الجنوب حينها لكنه لم يتمكن من ذلك في كردستان، اذ تمكنت البيشمركة بمساعدة أمريكية من حكم مناطق كردستان (أربيل ودهوك وسليمانية) كأمر واقع حتى 2003. وكيف أصبح هذا الأمر الواقع بعد احتلال 2003 ضمن دستور الفترة الانتقالية في 2004، ثم في الدستور العراقي الذي تم التصويت عليه في 2005، وأصبح إقليم كردستان اليوم له انتخاباته وحكومته ودستوره وبرلمانه ورئاسته ولا يد لحكومة بغداد عليه، إلا ضمن الدستور الاتحادي  الذي لا يزال العمل بموجبه متعثرا بسبب الانقسام السياسي وفوضى اللادولة التي يعيشها العراق منذ الاحتلال الأميركي الذي نقض دولته في 2003.

وفي عودة إلى أحداث كردستان العراق منذ 1990-2003-2005، نجد ربما أن هذا ما تخطط له الإدارة الأمريكية اليوم مع محافظات الوسط والغرب ونينوى بعد تحريرها من “داعش”، وكذلك ما تخطط له لمحافظات الفرات الأوسط والجنوب بعد أن تجد مليشيات الحشد الشعبي أن لا مناص لها إلا القبول بهذه الخطط أو الانقراض إذا حاولت مقاومة الوجود الأمريكي الذي عاد بتحالف دولي ستيني في 2014، كما انقرضت المقاومة العراقية ما بعد 2003 للاحتلال الاميركي، خصوصا أن الواقع الدولي اليوم ربما يكون مساعدا ومتوافقا أكثر لإعادة تركيب مناطق العراق بعد أن تم تفكيكها وفق نظام الفدرلة (أقاليم) في الجنوب والوسط والغرب أكثر مما كان عليه حال الواقع الدولي بعد 2003.

اذن هذه هي طريقة النظام الدولي بزعامة واشنطن في تفكيك دول سايكس بيكو وأولها العراق وإعادة تركيبها بنفس طويل ينقض أنظمتها وجيوشها ودولها وثقافتها وعلاقة شعوبها بالوطن والدين ويخمد أية معارضة محلية أو إقليمية أو دولية مع الوقت، خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في 1989.

ومالم يتحول النظام الدولي إلى نظام متعدد الأقطاب، فإن دول أنظمة الدولة، الأمة التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى وثبتت بعد الحرب الثانية بظهور الاتحاد السوفيتي، ستتفكك جميعا ويعاد تركيبها وفق نموذج عراق 2003.

لا تعليقات