التاريخ الأسود للجماعة بين يهودية حسن البنا و ماسونية الإخوان الجزء الثانى

د. ياسر حلمى الشاعر

لأفغانى و المحفل الأسكتلندى
– – – – – – – – – – – – – – – –
هو المحفل الأول الذى ألتحق به الأفغانى فقد أتى لمصر وهو يحمل وثيقة الإنتساب للمحفل الأسكتلندى وظل فيه لفترة حتى طرد منه لمخالفته لمفهوم الأله الأعظم عند أعضاء هذا المحفل وأيضاً لأنه كان محظور على الأعضاء فى هذا المحفل العمل بالسياسة وهو ما أعترض عليه الأفغانى وخالفه,
وقد كتب أبو راشد فى العدد السابع من مجلة النديم الصادر بتاريخ 26 ديسمبر1866, أن الأفغانى أنفعل جداً على أحد الخطباء فى المحفل الإسكتلندى عندما قال: ” إن الماسونية لا دخل لها فى السياسة وأنا أخشى على محفلنا من بأس الحكومة وبطشها” وهنا نهض الأفغانى صائحاً: ” كنت أنتظر أن أسمع وأرى فى كل مصر غريبة ولكن ما كنت لأتخيل أن الجبن يمكنه أن يدخل من بين أسطوانتى المحافل الماسونية ….. إلى أن ينتهى للقول بأن الماسونية هى عزة نفس وشمم وإحتقار الحياة فى سبيل مقاومة من ظلم, هذا هدف الماسونية الأول ومن أجل هذا أنخرطت فى مسلكها الشريف”.
هذا ما قاله الأفغانى و لم يقله غيره.
.
غادر الأفغانى المحفل الإسكتلندى ليؤسس بعد ذلك بفترة من الزمن محفل كوكب الشرق الذى سنة 1871وسرعان ما أختير الأفغانى رئيساً له إستناداً لخبرته الطويلة وتاريخه العريض فى الماسونية وقد بلغ عدد أعضاء محفل كوكب الشرق الـ 300 عضو.
ونذكر هنا أن الكثير من المحافل الماسونية قد أنشئت فى مصر وكان تحت الحماية المباشرة من خديو مصر وقتها (إسماعيل ) ومن بعده الخديو توفيق الذى ساعده صديقه الحميم جمال الدين الأفغانى للإطاحة بالخديو إسماعيل ليتولى هو عرش مصر خلفاً له ومن نافلة القول أن نقول أن توفيق هو أحد كبار قادة الماسون فى العالم وكان حائزاًعلى مكانة كبيرة فى المجتمعات الماسونية.
وقد يبدو غريباً أنه هو من قام بطرد الأفغانى من مصر حيث غادرها الأفغانى من ميناء السويس فى 25أغسطس عام 1879 م الموافق 7 رمضان 1296هــ بعد أن ضاق ذرعاً بتدخلاته المستمرة فى شئون البلاد وكتب توفيق فى المنشور الرسمى لطرده من مصر (أنه طرد لأنه رئيس لجمعية سرية تضم شباب تتسم تصرفاتهم بالإندفاع مجتمعة على فساد الدنيا والدين) .
.
عقيدة جمال الدين الأفغانى الغامضة:
– – – – – – – – – – – – – – – – – – –
يقول المؤرخ المعروف تيللور عن الأفغانى, ” أن الأفغانى يبدو كما لو كان يبحث عن ديانة جديدة تجمع بين الديانات الثلاث ولا تلتزم بتعليمات معينة” ما كتبه تيللور ربما يلخص هدف الأفغانى الأعظم فى رحلة حياته وكفاحه من أجل ما أعتقده وأمن به طوال رحلته العامرة المليئة بالأعمال التى أداها خدمة لما يعتقده والتى قدمها طواعية كهدف لحياته و التى بسببها ربما فقد حياته نفسها.
وحتى لا نظلم أنفسنا قبل مثقفينا وحتى نكون منصفين لسيرته سنعرض فقط فى نقاط ما كتبه أو قاله أصدقائه ودراويشه عنه, سنستعرض فقط ما قاله مؤرخى سيرته فقط فى نقاط.
– كتب تلميذه سليم عنحورى فى كتابه (سحر هاروت) “أن الأفغانى برز فى علم الأديان حتى أفضى به إلى الإلحاد والقول بقدم العالم وأن القول بوجود محرك أول وهم نشأ عن ترقى الإنسان فى تعظيم المعبود”.
– و نزيد أن الأفغانى هو من فتح الباب لمنقديه لإتهامه بالإلحاد بسب إعلانه عن أرائه الغريبة على الملأ, ففى أسطنبول فى زيارته الأولى لها قال: “إن النبوة صناعة” فتعرض لهجوم علماء تركيا وأيضاً تعرض لنفس الهجوم من علماء الأزهر بقيادة الشيخ عليش, الذى أنتقد أرائه وسيرته ومسلكه الشخصى حيث كان يلبس اللباس الأوروبى ويدخن السيجار فضلاً عن حاشيته التى تضم يهود ونصارى الشام ومما زاد فى شذوذ مسلكه بالنسبة لرجل دين أنه أختار مركز لقاءته مع أتباعه (بار ماتاتيا) فى العتبة الخضراء بالإضافة لجلوسه مع أصدقائه فى (مقهى البوسطة) المجاور لملهى الأزبكية وهو مسلك غريب لرجل دين أن يرتاد المقاهى والبارات وهو مسلك يتنافى تماماً مع هيبة رجل الدين ومدعاة لإثارة الإستهجان فى أى مكان وفى أى زمان.
– حكى عنه تلميذه ورفيقه (محمد عبده) وبعض خاصته إنه كان متصوفاً يدين بعقيدة متصوفة مبهمة وغامضة تنتهى بوحدة والتعبير عنها يلتبس إلا على الخاصة مما أدى لرميه بالإلحاد.
– قال الإفغانى أن دعوتى لم تكن للمسلمين خاصة بل للمشرقين عامه (دعوة ماسونية بـ عمومية الأديان ومحو خصوصية كل دين).
– دعوته لم تكن لتجميع المسلمين تحت راية واحدة بل كان هدفها تفتيت الدين الاسلامى.
– عدم زواجه وعزوفه عن ذلك ويقول صديقه شكيب أرسلان (عندما حاول السلطان عبد الحميد أن يعلق قلبه بالمال و البنين ويشغله بزينة الدنيا وراوده على الزواج فأبى وأعرض وقال له: ” قضيت حياتى مثل الطير على الغصن فلا أريد فى أخر أيامى أن أتعلق بعائلة” وكلام الأفغانى ضد الفلسفة العميقة للدين الإسلامى فى وجوب تكوين الأسرة التى هى عماد المجتمع الإسلامى الناجح فكيف يتكلم عن الإسلام وهو من خالف واحدة من أهم سمات الدين الإسلامى!؟.
– حسبما قال المستشرق البريطانى المعروف (إيلى خدورى): مارس أتباع الأفغانى (بما فيهم محمد عبده و رشيد رضا) ما يمكن وصفه بإقتصاد الحقيقة.
وفرق الأفغانى خلال حياته ولم يجمع. ورغم أنه يعود إليه فضل تطوير الأساس النظرى للإسلام السياسى الجامع والحركة الإجتماعية التى أنتشرت فى العالم الإسلامى أجمع فقد كانت أفكاره مخالفة لإجماع الفقهاء وغامضة وينخرط بالسياسة ويؤمن بالوظيفة الإجتماعية للدين. وأردف (خدورى) قائلاً: أن الأفغانى كان مغترباً عن أفكاره وكتب ناقلاً عن الأفغانى قوله المشهور” لا نقطع رقبة الدين إلا بالدين و بالتالى فإذا رأيتنا الأن سترى عابدين ناسكين يركعون ويسجدون ولا يعصون أوامر الله ويفعلون كل ما يؤمرون به” ويعلق خدورى على ذلك قائلاً: إن هذا الخطاب يوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن أحد أهداف الأفغانى والتى أقره عليها تلميذه محمد عبده, هو إحداث تغير فى الأسس التى يقوم عليها الإسلام وذلك من خلال إظهار التقوى و إن كانت تقوى إستعراضية مزيفة .
– لبيان إنكاره للأديان نورد ما كتبه الأفغانى نفسه” إن الأديان مهما كان إسمها تشبه بعضها البعض. ليس هناك تفاهم و ليس هناك تصالح ممكن بين تلك الأديان و الفلسفة, الدين يفرض معتقداته و قواعده على الإنسان فيما الفلسفة تحرره من الأديان جزئياً وكلياً”. و يختم الأفغانى قوله ” لكن الأسباب العقلانية لا تعجب الجماهير و لا يفهم تعاليمها إلا قلة مختارة”.
– قال عنه القنصل العام البريطانى فى مصر عند ترحيله من مصر فى تقرير مخابراتى, إن الأفغانى أقصى من المحفل الماسونى فى القاهرة مؤخراً والذى كان منتسباً له لأنه لم يؤمن ب (الإله الأعلى) وقال المؤرخ (خدورى) إن الأفغانى كان عضواً فى المحفل الأسكتلندى العام والذى تكون حول الخرافات المزعومة للأهرامات المصرية وهو ما يسمى ب (المعمار العظيم), وهو المفهوم الماسونى للإله ( لعبة الشيطان صـ37ـــ).
– كان للأفغانى ومحمد عبده إتصالات وعلاقات مع براون وميرزا وباقر البهائين ودخلوا فى مساجلات كثيرة معاً فى الدين والقرأن. كما ورد فيما كتبه (خدورى). و لبيان أهمية ما سبق نعرف بمن هم (براون – ميرزا باقر). الأول هو أدوارد جرانفيل براون المستشرق البريطانى الأشهر فى الديانات الشرقية والذى عمل أستاذ متخصص فى التاريخ الفارسى والدراسات الدينية بجامعة كمبريدج وكان يتمتع بنفوذ كبير فى أوساط الأكاديمين وله علاقات عميقة مع بعض رجال المخابرات الريطانية العاملين فى الشرق الأوسط والشرق الأدنى, وسافر للكثير من البلدان العربية وتركيا وإيران وتخصص فى الحركات الدينية والصوفية والديانات الغامضة البديلة للديانات السماوية والتى أنتشرت فى تلك البلاد, وفى إيران تعرف (براون) على ميرزا محمد باقر و الذى قام بتدريس اللغة الفارسية له وكتب براون عن نفسه يقول (إنه تجول فى فى أرجاء نصف العالم وتعلم نحو ست لغات وإستطاع إنتحال المذهب الشيعى والدروشة والمسيحية واليهودية وإدعاء الإلحاد كذلك بنجاح ثم أنتهى إلى نظام دينى أبتكره بنفسه وأطلق عليه “الإسلام المسيحى”) وقد تعمقت صداقة براون و ميرزا محمد باقر وأصبح براون واحد من أكبر الداعين والداعمين للبهائية فى الغرب وكان على يقين أن البهائية ستلعب دور محورى فى مستقبل الديانات فى الشرق الأوسط.
و للتوكيد على مدى دعم و تعاون البهائين لبريطانيا وتدعيمهم لها نذكر أن الحكومة الريطانية قد أعطت لقب فارس لأحد مؤسسى البهائية وهو عبد الله بهاء بعد الحرب العالمية الأولى.
– قدم اللورد كرومر الحاكم الفعلى لمصر فى تلك الفترة وأيضاً هو الصديق المقرب للأفغانى وهو من قام بفتح الأبواب المغلقة لـ محمد عبده والتى مكنته من أن يكون مفتى مصر افضل توصيف لكلاً من الأفغانى وعبده عندما قال فى توصيفه لهما: ( أن الأفغانى وعبده كانا منغمسان فى البعد عن تقاليد الدين لدرجة الإختلاف الشديد مع المسلمين المحافظين ولم يكن الأفغانى وعبده متفرنجان إلى الحد الذى يجعلهما يستطيعان تقليد الأسلوب الأوربى فلم يكونا مسلمين جيدين أو أوربيين جيدين) ( لعبة الشيطان صـ46ــ). وقال أيضاً فى موضع أخر فى نفس الكتاب: أن الأفغانى وعبده فشلا فى مشروعهم فى الحداثة المعولمة الممزوجة بالماسونية مع الدعوة إلى عودة نقاء إسلام القرن السابع وهو ما جعلهما يفشلان فى كسب تأييد رجال الدين أو دعاة الحداثة).
– يقول جمال الأفغانى ( رجعت إلى أهل الأرض وبحثت فى أهم ما فيه هم مختلفون فوجدته (الدين) فأخذت الأديان الثلاثة وبحثت فيها فوجدت: الموسوية والعيسوية والمحمدية (كذا) على تمام الإتفاق فى المبدأ وإذا نقص فى الواحد شىء من أوامر الخير المطلقة أستكملته الثانية وهنا لاح لي امل بارق كبير ان يتحد اهل الاديان الثلاثة وأخذت اضع لنظريتي هذه خططا واخط اسطرا وأحرر رسائل الدعوة ثم جمعت ما افترق من الفكر ولممت شعث التصور ونظرت الى الشرق واهله وقد خصصت دماغي لتشخيص دائه وتحري دوائه فوجدت اقتل دوائه داء إنقسام اهله فقد اتفقوا على ان لا يتفقوا ولا تقوم على هذا لقوم قائمة .
وهذا بالضبط صلب الماسونية التى تريد توحيد الديانات وطمس اية هوية دينية لتظهر هى كصاحبة هوية مميزة
– يذكر رشيد رضا فى الجزء الثامن من المنار صــ41 ـــ أن محمد عبده أعترف له بإنتمائه للماسونية وخيبة أمله فيها فلم يذهب إلى المحفل الماسونى ولا مرة واحدة بعد عودته من المنفى . ويعلق رشيد رضا على ذلك قائلاً: “أن بعض شيوخ الأزهر أعتقدوا أن محمد عبده نال الوظائف الكبرى بسبب إنتسابه إلى الماسونية لذلك قيدوا أسماءهم بها”.
– أنهى براهين ماسونية الأفغانى بشىء طريف جداً و أيضاً من الكتاب الكارثة ( جمال الدن الأفغانى – تاريخه و مبادئه ورسالته لـ محمود أبو رية- سلسلة التعريف بالإسلام إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية صـــ 263 , 264) عندما يقول الكاتب: “وقد قيض الله له رجلاً لا شرقياً و لا مسلماً بل أمريكياً: هو مستر شارلس كراين فأخذ يبحث فى الأرض وينقب حتى أهتدى إلى قبر السيد جمال الدين فى الأستانة وكان ذلك سنة 1926 فأقام عليه ضريحاً فخماً من الرخام أنفق عليه عشرات الألاف من الدولارات من حر ماله وقد كتب على أحد وجهى الضريح أسم السيد وتاريخ ولادته ووفاته وعلى الوجه الأخر هذه العبارة أنشأ هذا المزار الصديق الحميم للمسلمين فى أنحاء العالم الخير الأمريكى مستر تشارلز كرين سنة 1926”.
.
أنا أترك الحكم الشرعى فيما كتب للسادة الأفاضل علماء الأزهر ليدلوا بدلوهم فى زخرفة القبور ونحن سنصغى تماماً لهم وأسأل أيضاً لماذا أمريكى غربى وليس مسلم هو ما يثبت ما ذهبنا إليه منذ البداية ليدعم أصدقاء الأفغانى بأنفسهم ما قلناه منذ البداية ومن هؤلاء المريدين ( الشيخ الباقورى- الشيخ الشرباصى و الكاتب محمود ابو رية الكاتب المفضال كما وصفه الباقورى) وإذا كان السلطان عبد الحميد الثانى دفن جمال الدين طبقاً للشريعة الإسلامية فإن تلاميذه وأصدقائه أبوا غير ذلك فغيروا ما فعله السلطان المسلم الصالح عندما قام بدفن جمال الأفغانى على الطريقة الإسلامية فهو فى الظاهر مات كمسلم ولأن السلطان عبد الحميد لم يشقق عن صدره فدفنه على الطريقة الإسلامية,و لكن أصدقائه قاموا بدفنه طبقاً للمراسم والتقاليد الغربية فى مقبرة فخيمة من الرخام ويبدو أنهم كان يعلمون يقيناً ما يكنه صدره.
– نلخص رأى جمال الدين الأفغانى فى الربا وما هو الربا المحرم فى جواز الربا طالما انه لا يؤكل أضعاف مضاعفة بمعنى أن تكون الفائدة قليلة ولا تثقل كاهل المدين وقد أعطى مثلاً على ذلك ليعضد رأيه الغريب والأعجب إنه أعطى أمثلة من القرأن بعيدة كل البعد عن ما أفتى به وما كتبه الأفغانى عن فتواه بإباحة الربا موجود بالتفصيل لمن يريد أن يقرأ فى كتاب ( جمال الدن الأفغانى – تاريخه و مبادئه و رسالته .

لا تعليقات